نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٧٣٥
و قد نسب إلى ذي مقراطيس أنّ كينونة العالم بالاتّفاق ١٠؛ و ذلك أنّ الأجسام مؤلّفة من أجرام صغار صلبة منبثّة في خلاء غير متناه، و هي متشاكلة الطبائع، مختلفة الأشكال، دائمة الحركة؛ فاتّفق أن تصادفت منها جملة اجتمعت على هيأة خاصّة، فكان هذا العالم؛ و لكنّه زعم أنّ كينونة الحيوان و النبات ليست بالاتّفاق.
و نسب إلى أنباذ قلس أنّ تكوّن الأجرام الأسطقسّيّة بالاتّفاق ١١، فما اتّفق منها
جارية على نظام ثابت لا يختلف و لا يتخلّف.
و إذا كان كذلك، فلو فرض أمر كماليّ مترتّب على فعل فاعل ترتّبا دائميّا لا يختلف و لا يتخلّف، حكم العقل حكما ضروريّا فطريّا بوجود رابطة وجوديّة بين الأمر الكماليّ المذكور و بين فعل الفاعل، رابطة تقضي بنوع من الاتّحاد الوجوديّ بينهما ينتهي إليه قصد الفاعل لفعله، و هذا هو الغاية.» انتهى.
١٠- قوله قدّس سرّه: «قد نسب إلى ذي مقراطيس أنّ كينونة العالم بالاتّفاق»
أي: عالم المادّة ككلّ. و أمّا الامور الجزئيّة كالحيوان و النبات فليست كينونتها عنده بالاتّفاق، كما سيصرّح قدّس سرّه به بعيد هذا.
قوله قدّس سرّه: «أنّ كينونة العالم بالاتّفاق»
يعني أنّ تكوّن أصل عالم المادّة من الأرض و الماء و الهواء و الشمس و القمر و غيرها من الجمادات كانت بالاتّفاق. و أمّا الموجودات الحيّة من النبات و الحيوان و الإنسان فسيصرّح المصنّف قدّس سرّه بأنّه لا يعتقد بالاتّفاق فيها.
ثمّ لا يخفى عليك: أنّ المراد بالاتّفاق في كلامه هو الاتّفاق في العلّة الغائيّة، حيث يعتقد أنّ انتهاء حركة الذرّات إلى تصادف جملة منها لم يكن لغاية، أي لرابطة ضروريّة بين تلك الحركة و بين تكوّن العالم، بل كان بطريقة الاتّفاق، يصرّح بذلك قوله قدّس سرّه: «فاتّفق أن تصادفت منها جملة اجتمعت على هيأة خاصّة.» انتهى. هذا مضافا إلى أنّ الفصل معقود للبحث عن الاتّفاق في العلّة الغائيّة.
١١- قوله قدّس سرّه: «نسب إلى أنباذ قلس أنّ تكوّن الأجرام الأسطقسيّة بالاتّفاق»