نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٦٨١
و فاعل الكلّ، و ذلك لأنّ عدّها مقرّبات تلويح إلى ما مرّ من شأن المعدّ. كما أنّ عدّه تعالى فاعل الكلّ يفيد أنّ غيره ليس بفاعل.
و من هنا يعلم أنّ إطلاقهم الفاعل على غيره تعالى، إنّما هو بحسب النظر البدويّ. و إن شئت فقل: إنّ مرادهم من الفاعل في تلك الموارد ما به الوجود، لا ما منه الوجود.
قال صدر المتألّهين في الأسفار ج ١، ص ٨٤- ٨٥: «اعلم أنّ القوم أوّل ما اشتغلوا بالتقسيم للشىء إلى هذه المعاني الثلاثة، نظروا إلى حال المهيّات الكلّيّة بالقياس إلى الوجود و العدم بحسب مفهومات الأقسام، من غير ملاحظة الواقع الثابت بالبرهان، فوجدوا أن لا مفهوم كلّيّا إلّا و له الاتّصاف بأحد منها، فحكموا أوّلا بأنّ كلّ مفهوم بحسب ذاته إمّا أن يقتضي الوجود، أو يقتضي العدم، أو لا يقتضي شيئا منهما، فحصل الأقسام الثلاثة: الواجب لذاته، و الممكن لذاته، و الممتنع لذاته. و أمّا احتمال كون الشيء مقتضيا للوجود و العدم جميعا فيرتفع بأدنى الالتفات. و هذا هو المراد من كون الحصر في الثلاثة عقليّا. ثمّ لمّا جاءوا إلى البرهان وجدوا أنّ احتمال كون الماهيّة مقتضية لوجودها أمر غير معقول بحسب النظر العقليّ، و إن خرج من التقسيم في أوّل الأمر، فوضعوا أوّلا معنى الواجب على ذلك الوجه، فإذا شرعوا في شرح خواصّه انكشف معنى آخر لواجب الوجود، كما سنذكر على وجه التصدير. و هذه عادتهم في بعض المواضع لسهولة التعليم كما فعلوا من إثباتهم الوسائط العقليّة و النفسيّة و الطبائع الجسميّة، و نسبة العلّيّة و الإفاضة. و الآثار إليها أوّلا، ثقة بما بيّنوا في مقامه أن لا مؤثّر في الوجود إلّا الواجب. و إنّما ينسب العلّيّة و التأثير إلى ما سواه من المبادي العقليّة و النفسيّة و الطبيعيّة من أجل أنّها شرائط و معدّات لفيض الواحد الحقّ و تكثّرات لجهات جوده و رحمته. و نحن أيضا سالكوا هذا المنهج في أكثر مقاصدنا الخاصّة، حيث سلكنا أوّلا مسلك القوم في أوائل الأبحاث و أواسطها، ثمّ نفترق عنهم في الغايات، لئلّا تنبو الطبائع عمّا نحن بصدده في أوّل الأمر، بل يحصل لهم الاستيناس به، و يقع في أسماعهم كلامنا موقع القبول، إشفاقا بهم.» انتهى.
قوله قدّس سرّه: «فالعلل الفاعليّة في الوجود معدّات مقرّبة للمعاليل»