نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٦٨٢
تعالى.
هذا بالنظر إلى حقيقة الوجود الأصيلة المتحقّقة بمراتبها في الأعيان ١٧؛ و أمّا
لكن المعدّات مختلفة، فبعضها معدّ مختار، و بعضها معدّ موجب. فمثل الإنسان في أفعاله الاختياريّة مثل سائق يسوق سيّارة لا محرّك لها فيدفعها إنسان من خلفه، و ليس للراكب إلّا أنّ بيده مقود السيّارة يهديها به حيث يشاء؛ فالإنسان يريد و اللّه يخلق على حسب إرادته.
١٧- قوله قدّس سرّه: «هذا بالنظر إلى حقيقة الوجود الأصلية المتحقّقة بمراتبها في الأعيان»
الفرق بين النظرين من وجوه:
الأوّل: أنّ الأوّل مقتضى النظر الدقيق، و الثاني مقتضى النظر البدويّ.
قال المصنّف قدّس سرّه في تعليقته على الأسفار: ج ٦، ص ٣٧٢ في هذا المقام: «الفرق بينه و بين سابقه: أنّ في المذهب السابق سلوكا من طريق الكثرة في الوحدة، و فيه سلوك من طريق الوحدة في الكثرة.» انتهى. فعلى الأوّل للفعل استناد إلى فاعله القريب، و إلى فاعل فاعله بواسطته من طريقه، و الانتساب طوليّ لا عرضيّ، فلا تبطل إحدى النسبتين الاخرى، و لا يلزم الجبر الباطل؛ لأنّ العلّة الأولى إنّما تريد صدور الفعل الاختياريّ عن اختيار فاعله المختار، فلا يقع إلّا اختيارا، و لا يريد الفعل في نفسه و من غير واسطة حتّى يبطل به اختيار فاعله و تسقط إرادته. و على الثاني للفعل إستناد إليه تعالى من غير واسطة من جهة إحاطته به في مقامه، كما أنّ له استنادا إلى فاعله الممكن، و لا يلزم جبر لأنّ إحاطته تعالى بكلّ شيء إحاطة بما هو عليه، و الفعل الاختياريّ فعل اختياريّ، فهو المحاط المنسوب إليه تعالى و إلى العبد، هذا. و قد ظهر بذلك أنّ المذهبين غير متدافعين.
و قال قدّس سرّه في الفصل الرابع عشر من المرحلة الثانية عشرة بهذا الصدد: «و لا منافاة بين كونه تعالى فاعلا قريبا، كما يفيده هذا البرهان، و بين كونه فاعلا بعيدا، كما يفيده البرهان السابق المبنيّ على ترتّب العلل و كون علّة علّة الشيء علّة لذلك الشيء؛ فإنّ لزوم البعد مقتضى اعتبار النفسيّة لوجود ماهيّات العلل و المعلولات على ما يفيده النظر البدويّ، و القرب هو الّذي يفيده النظر الدقيق.» انتهى.
و سيأتي ذكر الطريقين بوجه أبسط في ذلك الفصل، فانتظر.