نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٧٠٠
المتحرّك حركة. فالجسم المتحرّك مثلا من وضع، إلى وضع، إنّما يريد الوضع الثاني؛ فيتوجّه إليه بالخروج من الوضع الأوّل إلى وضع سيّال يستبدل به فردا آنيّا إلى فرد مثله، حتّى يستقرّ على وضع ثابت غير متغيّر، فيثبت عليه، و هو التمام المطلوب لنفسه. و المحرّك أيضا يطلب ذلك.
و إذا كان المحرّك فاعلا علميّا لعلمه دخل في فعله ١٣- كالنفوس الحيوانيّة و الإنسانيّة- كانت الحركة، بما لها من الغاية التي هي التمام، مرادة له؛ لكنّ الغاية هي المرادة لنفسها؛ و الحركة تتبعها، لأنّها لأجل الغاية، كما تقدّم. غير أنّ الفاعل العلميّ ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة ١٤، فيأخذه منتهى إليه للحركة،
زيد مثلا أنّه يتحرّك، ثمّ إذا سئل عن جهة حركته أجاب بأنّه يتحرّك و لكن لا إلى جهة، لم يكن لهذا الجواب معنى إلّا أنّه لا حركة له أصلا. فهو كمن يدّعي أنّه يتحرّك و يدّعي مع ذلك أنّ سرعته- و المراد من السرعة مطلق السيلان الّذي هو خاصّة لازمة للحركة- صفر. هذا.
و لكن لا يخفى عليك ما فيه من الخلط بين الجهة و الغاية، كما نبّه عليه شيخنا المحقّق- دام ظلّه- فالّذي لا يتمّ بدونه حركة هي الجهة، سواء انتهت إلى غاية أم لم تنته.
١٣- قوله قدّس سرّه: «إذا كان المحرّك فاعلا علميّا لعلمه دخل في فعله»
قوله قدّس سرّه: «لعلمه دخل في فعله» صفة ثانية للفاعل تفسّر الصفة الاولى- فإنّ معنى كون الفاعل فاعلا علميّا هو أنّ لعلمه دخلا في فعله- فذكرها تنبيه على ما مرّ في الفصل السابع من تعريف الفاعل العلميّ.
١٤- قوله قدّس سرّه: «أنّ الفاعل العلميّ ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة»
و هذه الخصوصيّة من وجوه تفكيك الفاعل العلميّ عن الطبيعة، مع أن فعل كليهما حركة، و الدليل على وجود الغاية فيهما واحد، من غير فرق بين أن يكون المحرّك فاعلا علميّا أو غيره.
قوله قدّس سرّه: «ربما يتخيّل ما يلزم الغاية أو يقارنها غاية للحركة»
التخيّل هنا بمعنى الزعم و الظنّ، كما يدلّ عليه تعدّيه إلى مفعولين، أي: يزعم و يظنّ لازم الغاية أو مقارنها غاية للحركة، فيصير اللازم أو المقارن مقصودا بالذات له و علّة غائيّة لفعله.