نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٦٧٠
و كالعلل الكونيّة المسخّرة للواجب تعالى ٢٢.
و في عدّ الفاعل بالجبر و الفاعل بالعناية نوعين بحيالهما، مباينين للفاعل بالقصد، نظر. توضيحه: أنّا ننسب الأعمال المكتنفة بكلّ نوع من الأنواع المشهودة ٢٣- أعني كمالاتها الثانية- إلى نفس ذلك النوع، فكلّ نوع علّة فاعليّة لكمالاته الثانية.
و الأنواع في ذلك على قسمين: منها ما يصدر عنه أفعاله لطبعه، من غير أن يتوسّط فيه العلم، كالعناصر؛ و منها ما للعلم دخل في صدور أفعاله عنه، كالإنسان.
و القسم الثاني مجهّز بالعلم، و لا ريب أنّه إنّما جهّز به لتمييز ما هو كماله من
تفعل بتسخيرها. و هذا القول هو الّذي ذهب إليه جمهور الحكماء. و أمّا على الحقّ، من كون النفس في وحدتها كلّ القوى، فهي في مرتبة القوى الطبيعيّة تكون قوّة طبيعيّة، و في مرتبة القوى النباتيّة قوّة نباتيّة، و هكذا، فليس هناك إلّا فاعل واحد هو النفس. و عليه فلا يبقى معنى للتسخير المتوقّف على تعدّد الفواعل.
و الدليل على ابتناء كلامه قدّس سرّه على القول الأوّل: أنّه عبّر بالقوى الطبيعيّة إلى آخره، و لم يعبّر بالنفس في مرتبة القوى الطبيعيّة، مع أنّه كان قد عبّر بها آنفا في الفاعلين بالطبع و بالقسر.
٢٢- قوله قدّس سرّه: «كالعلل الكونيّة المسخّرة للواجب تعالى»
هذا على القول بعدم انحصار التأثير و الإفاضة فيه تعالى، و أنّ في الوجود عللا فاعليّة تنتهي إليه تعالى، و هو الّذي يشير إليه في الفصل الثامن بقوله قدّس سرّه: «و أمّا بالنظر إلى ما يعتبره العقل من الماهيّات الجوهريّة و العرضيّة المتلبّسة بالوجود المستقلّة في ذلك فهو تعالى علّة تنتهي إليها العلل كلّها ... و العلل كلّها مسخّرة له». انتهى. و أمّا على النظر الأدقّ الّذي يرى اللّه تعالى مؤثّرا بحقيقة معنى الكلمة، و أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا هو، و أنّ ما نسمّيها عللا فاعليّة ليست إلّا معدّات مقرّبة للمعاليل إلى فيض المبدء الأوّل تعالى، فليس هناك فواعل في الكون حتّى تكون مسخّرة أو غير مسخّرة.
٢٣- قوله قدّس سرّه: «أنّا ننسب الأعمال المكتنفة بكلّ نوع من الأنواع المشهودة»
و ذلك بمقتضى ما مرّ من البرهان على ذلك في الفصل السابع من المرحلة السادسة في إثبات الصور النوعيّة.