زيد بن علي (عليه السلام) - رافد التميمي - الصفحة ١٠٢
لأنّ هذا القول يستلزم تنزيل مقام الإمامة، بل قد يكون جهلا به تماماً.
نعم، قد يقال: إنّ زيداً مرّ بفاجعة عظيمة، وارتكبت في حقّه جرائم شنيعة من نبش وصلب وحرق، فإنّ النفوس الإنسانيّة عندما ترى أو تسمع بهكذا فاجعة فإنّها تتألّم وتتأذّى، وإن كان صاحب الفاجعة مخطئاً ومشتبهاً، فإذا كان الناس العاديّون هكذا، فكيف بالإمام(عليه السلام) ؟ فيمكن أن نحمل بكاءه على شدّة الفاجعة لا على أحقيّة زيد.
الجواب: إنّ هذا الكلام وإن كان وجيهاً ولكنّه يصحّ لمن لم يُحذَّر ويُخبر بهذه النتيجة وهذه العاقبة، أمّا من نُبّه وحُذّر، بل ونُهي عن سلوك هكذا طريق، ثمّ سلكه وكانت عاقبته نفس العاقبة التي نُهي عنها، فإنّ النفوس الإنسانيّة لا تتألّم ولا تتأذّى عليه; لأ نّها ترى ما جرى عليه من نفسه وهو مُسبّبه، فتعدّ ما جرى عليه أمراً عاديّاً جدّاً وهو المتوقّع لا غيره.
وزيد قد ثبت تحذيره وتنبيهه من هذه العاقبة، في أكثر من رواية من روايات المدح، فإنّه قد تكرّرت جملة: "أعيذك باللّه أن تكون المصلوب في الكناسة"، بل وقد ثبت نهيه عن القيام بهكذا عمل (نهياً إرشاديّاً)، كما سيأتي في روايات الذمّ الآتية، وعليه فبكاء الإمام(عليه السلام) لم يكن لمجرّد ما جرى على زيد حتّى وإن لم يكن محقّاً، بل بكاءه يكشف عن مدح زيد وصحّة ما عمله، فهو وإن كانت عاقبته معلومة عند أهل البيت(عليهم السلام) مع ذلك بكوا عليه لما جرى عليه في سبيل الحقّ والإسلام ولإعلام أحقيّة أهل البيت(عليهم السلام) فإنّه لو ظفر لوفّى، كما تقدّم في أكثر من رواية.
فبكاء الإمام(عليه السلام) يدلّ على مدح زيد، فتكون هذه الرواية إحدى روايات المدح الداعمة للتواتر.