نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٥٨ - ٢١ شخص متعطل زوّر كتابا عن لسان الوزير ابن الفرات، إلى عامل مصر
و قال بعضهم: يقطع إبهامه.
و قال بعضهم: يضرب و يحبس.
و قال بعضهم: يكشف لأبي زنبور أمره، و يتقدم إليه بطرده، و يقتصر به على الحرمان مع بعد الشقّة [١] .
فقال ابن الفرات: ما أبعد طباعكم عن الجميل، و أنفرها من الحرّية [٢] ، رجل توسّل بنا، و تحمّل المشقّة إلى مصر، و أمّل بجاهنا الغنى، و لعلّه كان لا يصل[١٩ ط]إلينا، و لا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا، فخفّف عنّا بأن كتب لنفسه ما قدّر أنّ به صلاحه، و رحل ملتمسا للرزق، و جعلنا سببه، يكون أحسن أحواله عند أجملكم محضرا الخيبة؟ ثم ضرب بيده إلى الدواة، و قلب الكتاب المزوّر، و وقّع عليه [٣] بخطه:
هذا كتابي، و لا أعلم لأيّ سبب أنكرته. و لا كيف استربت به، كأنّك عارف بجميع من خدمنا في النكبة، و أوقات الاستتار، و قديم الأيّام، و قد أحطت علما بجميعهم، فأنكرت أبا فلان هذا-أعزّه اللّه-من بينهم، و حرمته بي أوكد ممّا في هذا الكتاب، و سببه عندي أقوى ممّا تظنّ، فأجزل عطيّته، و تابع برّه [٤] و وفّر حظّه من التصرّف فيما يصلح له، و افعل به و اصنع، و أصدر الكتاب في الحال.
فلما كان بعد مدّة طويلة، دخل عليه رجل جميل الهيئة، حسن الزيّ و الغلمان، فأقبل يدعو له، و يبكي، و يقبّل الأرض بين يديه،
[١] في ط: مع السفر الطويل و المشقة اللاحقة له.
[٢] الحرية: شرف النفس.
[٣] في ط: على ظهره.
[٤] في ط: و بالغ برّه.