نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٩ - ١٥٥ الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
عمره، و مات، و ولي المقتدر، [فكانت الصورة] [١] كما قال المعتضد بعينها.
فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر و هو يشرب، و رأيته قد سكر و دعا بالأموال، فأخرجت إليه، و حلّت البدر [٢] ، و جعل يفرّقها على الجواري و النساء، و يلعب بها، و يمحقها، و يهبها، ذكرت مولاي المعتضد، و بكيت.
قال: و قال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيّب، فقال: هاتم فلانا الطّيبيّ، -خادم يلي خزانة الطيب-فأحضر.
فقال له: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيّف و ثلاثون حبّا [٣] صينيّا، مما عمله عدّة من الخلفاء.
فقال: فأيّها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق [٤] .
قال: أحضرنيه.
فأحضره حبّا عظيما، يحمله خدم عدّة، بدهق و مصقلة [٥] ففتح، فإذا الغالية قد ابيضّت من التعشيب، و جمدت من العتق، في نهاية الذكاء.
فأعجبت المعتضد، و أهوى بيده إلى حوالي عنق الحبّ، فأخذ من
[١] الزيادة من ط.
[٢] البدرة و جمعها بدر: عشرة آلاف درهم.
[٣] الحب: الجرة الكبيرة أو الخابية، و الكلمة لم تزل مستعملة في بغداد، و تطلق على خابية من الفخار توضع على كرسي في الدار و تملأ بالماء فيترشح منها صافيا رائقا، قطرات، إلى آنية تحت الحب تسمى (البوّاقة) و تلفظ قافها كافا فارسية.
[٤] الواثق (٢٠٠-٢٣٣) : هارون بن محمد المعتصم، من أفاضل الخلفاء العباسيين، و كان شاعرا فصيحا، فطنا لبيبا، يتشبه بالمأمون في تصرفاته، و قد أحسن إلى الطالبيين و برهم، و لم يقع في أيامه فتح كبير، و لا حدث مشهور، (الفخري ٢٣٦) .
[٥] الدهق و المصقلة: أداة لحمل ما ينوء به الفرد الواحد، انظر ما كتبه أحمد تيمور في مجلة المجمع العلمي العربي جـ ٤ م ٣.