نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٨ - ١٥٥ الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
فقلت: يا مولاي، حاشاه، أيّ شيء عمل؟أعيذك باللّه يا مولاي، العن إبليس.
فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، و أصلحت الدنيا بعد فساد شديد، و لا بدّ من موتي، و أعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلاّ ولدي، و أنهم سيجلسون ابني عليّا-يعني المكتفي [١] -و ما أظن عمره يطول، للعلّة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، و لا يرى الناس إخراجها عن ولدي، و لا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه و هو صبيّ، و له من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل، و ساوى بينه و بينهم، في شيء عزيز في[٩٣ ب]العالم، و الشحّ على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهنّ، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، و يبذّر ارتفاع الدنيا و يخربها، فتضيع الثغور، و تنتشر الأمور و تخرج الخوارج، و تحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا.
فقلت: يا مولاي بل يبقيك اللّه، حتى ينشأ في حياتك، و يصير كهلا في أيّامك، و يتأدّب بآدابك، و يتخلّق بخلقك، و لا يكون هذا الذي ظننت.
فقال: احفظ عنّي ما أقوله، فإنّه كما قلت.
قال: و مكث يومه مهموما.
و ضرب الدهر ضربه، و مات المعتضد، و ولي المكتفي، فلم يطل
[١] المكتفي: أبو محمد علي بن المعتضد، كان من أفاضل الخلفاء، و في أيامه ظهر القرامطة، و هو الذي بنى قصر التاج المشهور على دجلة ببغداد. بويع المكتفي بالخلافة بعد وفاة أبيه المعتضد سنة ٢٨٩ و توفي سنة ٢٩٥. (الفخري ٢٥٨) .