نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٩٧ - ١٠٧ أبو العباس البغداديّ و إنفاقه ماله في الفساد
١٠٧ أبو العباس البغداديّ و إنفاقه ماله في الفساد
و كان عندنا بالبصرة، دلاّل من أهلها يعرف بأبي العبّاس البغداديّ [١]
ورث في حداثته مالا جليلا، فتقاين [٢] بجميعه، فلمّا افتقر، صار دلاّلا، فكسب أيضا كسبا ثانيا كبيرا، فما كان يبقي منه شيئا، بل ينفقه كله في الفساد.
فأخبرني بعض شيوخ البصرة، قال:
رأيته، و هو حدث، في ليلة من شهر رمضان، مملوء الكمّ، يريد دار بدعة الدرونيّة، و كانت إذ ذاك مغنّية البلد، المشهورة فيه، بالنبل، و الحذاقة، و الطيب، و الحسن، و لها أخبار كثيرة طريفة.
فقلت: أيش في كمّك يا أبا العبّاس.
فقال: مخلّط خراسان [٣] أتصدّق به على بدعة، صدقة شهر رمضان.
[١] في ط: الشعراني.
[٢] في ط: فقامر.
[٣] مخلط خراسان: المخلط مجموعة من الفواكه المجففة و النقل، كالتين و الفستق و اللوز و البندق و الحمص و الزبيب، و ما شاكل ذلك، تخلط و تؤكل، و تسمى لذلك «المخلط» ، و يباع المخلط الآن في بغداد في سوق الشورجة، و بائعوا المخلط يعرفون كيف يجمعون أصنافه، بحيث إذا طلب منهم، جمعوه و وزنوا المقدار المطلوب دون حاجة إلى أن يعين لهم المشتري أنواعه، و يروج سوق المخلط في بغداد و غيرها من المدن التي يحتفل فيها بعيد النيروز، قبل حلول العيد بأيام، و لم تزل العادة جارية لدى البغداديين و غيرهم من العراقيين، و لدى جميع من يحتفل بالنيروز، و يسمونه في بغداد «دورة السنة» ، أن يستعدوا لاستقبال هذا العيد بإعداد صواني تشتمل على الخضر و البقول الطرية و على الفواكه المجففة، و على- -النقل، و الحلويات المتنوعة، و على المخلط، و السويق المتخذ من جريش الشعير مخلوطا بدبس التمر، و يحرص المحتفلون بهذا العيد على أن تكون الصينية وقت «دورة السنة» حاوية لجميع أنواع المخلط و الحلويات و البقول احتفالا بالربيع، و لهم في كل سنة خبر عما دارت عليه السنة، و يتناقلون أن السنة دارت على قرد، أو على أرنب، أو على حية، و يتفاءلون أو يتشاءمون، تبعا للشيء الذي دارت عليه. أما مخلط خراسان على التخصيص فلا أعرف عنه شيئا، و الظاهر أنه لا يخرج عما شرحت.