نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٥٤ - ٧٨ قرطاس الرومي و كيف عاقبه المعتضد
و استخبر بذلك أهل عسكر الخائن، و كانوا يصيحون بنا في كلّ يوم:
ملّحوه، أي: قد مات الموفّق، فاجعلوه مكسودا [١] .
فأجمع رأي الطبّ على بطّه، فلم يمكّنهم الموفّق من ذلك.
فقالوا للمعتضد: إنّه إن لم يبطّ، عمل إلى داخل، فأتلفه.
فقال: احتالوا عليه و بطّوه، و أنا أمنعكم منه [٢] .
فطوّل أحد الطب، ظفر إبهامه اليمين، و جعل تحته حديدة مبضع، و جاء إلى الموفّق، فقال: أيّها الأمير، دعني أجسّه، و أنظر كيف هو.
فقال: لعلّك تبطّه؟ فأراه يده، و قال: كيف أبطّه، و ليس في يدي حديد، فمكّنه منه، فجسّه و خرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا، فندر الزجّ و خرج، و تبعته مدّة عظيمة و قيح.
ففزع الموفّق في حال البطّ، لمجيئه على غفلة، فلكم [٣] الطبيب، فقلبه عن مكانه، فلمّا استراح بما خرج من الموضع، و وجد خفّة، خلع على الطبيب، و أجازه، و عولج إلى أن برئ.
و جعل أبو العباس و كده [٤] طلب قرطاس، و كان إذا رآه في الحرب، طرح نفسه لأخذه، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب، و يقول له بعجمته:
«يا بلئباس، يريد يا أبا العبّاس، إن وقعت في يدك، قدّمني أوتارا» .
قال: فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره، حتى أخذه أسيرا، و قد
[١] المكسود: اللحم يطبق بالملح و يحفظ لاستعماله في الشتاء، و هذه الكلمة لم تزل مستعملة في الموصل و في شمال العراق. إذ إن الناس في وسط العراق و جنوبه لا يحفظون اللحم.
[٢] في ب و ط: امنعه منكم.
[٣] في ط: فلطم.
[٤] الوكد: السعي و الجهد.