نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٥ - ١- آدم عليه السلام
بتناول الدواء الفلاني، والاجتناب عن الطعام الفلاني غير المناسب، فمتى ما خالف المريض أمر الطبيب فسيضرّ نفسه، لعدم اكتراثه بإرشاد الطبيب وتعليماته.
فمن الممكن هنا عصيان أمر الطبيب ومخالفته، ولكن من المسلّم أنّ هذا سيكون على حساب صحّة المريض، ولا يعني الإستهانة بمقام الطبيب أبداً، وهكذا فقد قال اللَّه تعالى لآدم: لا تأكل من هذه «الشجرة» وإلّا فستطرد من الجنّة ونعيمها، وتلاقي المشقّة والعذاب: «فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى* إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لَاتَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى». (طه/ ١١٧- ١١٩)
وبناءً على هذا فقد خالف آدم نهياً إرشادياً، لا أمراً إلهيّاً واجباً، فواجه المصاعب، كما أنّ التعبير ب «العصيان» لا يخدش في عصمة آدم أبداً، لو أخذنا بنظر الاعتبار القرائن الموجودة في سائر الآيات.
ومن هنا يتّضح أيضاً تفسير جملة «فغوى» في ذيل نفس هذه الآية، وأنّ المراد منها هو حرمانه من نعيم الجنّة، لا «الغواية» التي تعني التصرّفات المنبثقة عن الإعتقادات الخاطئة، أو الامور التي تحول دون بلوغ الإنسان لمراده، وعلى أيّة حال فلو أنّ آدم لم يخالف هذا النهي الإرشادي لمكث في الجنّة فترة أطول.
ج) كان تركاً للأولى- هذا الجواب له مؤيّدون أكثر ليس هنا فقط، بل في كلّ الموارد التي ينسب فيها الذنب إلى الأنبياء فإنّها تفسّر بهذه الطريقة.
توضيح ذلك: الذنب والمعصية على نوعين: مطلق، ونسبي، والمراد بالقسم الأوّل هو كلّ تلك الذنوب التي تعدّ ذنباً حين صدورها من أي شخص ولا استثناء فيها أبداً، كأكل المال الحرام والظلم والزنا والكذب.
امّا الذنب النسبي فهو ذلك الذنب الذي يعدّ تصرّفاً غير مرغوب فيه قياساً بمقام وشخصية ومعرفة الأشخاص، وما أكثر ما يعد صدور هذا الشيء من الآخرين فضيلة فضلًا عن عدم اعتباره عيباً.
فمثلًا الصلاة المناسبة لشخص امّي لا تليق أبداً بعالم عارف له تاريخ علمي طويل، أو