نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٨ - طرق الإرتباط بعالم الغيب
ودار الحديث في ثاني آية عن نزول ملك الوحي وإتيانه بالقرآن للنبي صلى الله عليه و آله، يقول تعالى:
«وَإِنَّهُ (القرآن) لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ».
الملفت للنظر هو أنّ ملك الوحي قد تمّ وصفه بوصفين «الروح» أي عين الحياة و «الأمين» إشارة إلى الأمانة التي هي أهمّ شرط للرسالة والتبليغ.
يستفاد جيّداً من مختلف الآيات والروايات أنّ ملك الوحي المأمور بإبلاغ الرسالة إلى نبي الإسلام كان اسمه جبرائيل، في حين أنّه يظهر من ثالث آية من الآيات مورد البحث، أنّ الملائكة ب «صيغة الجمع» كانوا أحياناً يؤمرون بإبلاغ الوحي الإلهي إلى الأنبياء، يقول تعالى: «وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ».
البشارة التي كان يحملها هذا الفريق من الملائكة هي البشارة بولادة إسماعيل وإسحاق، إذ إنّ إبراهيم عليه السلام كان قد قضى كثيراً من عمره محروماً من الولد مع تمنّيه الذرّية لحمل لوائه.
كما كانت هنالك وظيفة اخرى للملائكة ذكرت في الآيات التي بعدها، إلى جانب وظيفتهم الاولى في إبلاغ إبراهيم بالبشارة الإلهيّة ألا وهي تدمير مدينة قوم لوط وقلبها رأساً على عقب.
هنالك نوع آخر من أنواع الوحي ذكر في رابع آية وهو الرسالة التي كانت تصل إلى النبي عن طريق الرؤيا، وهي «رؤيا صادقة» لا تتفاوت مع حالة اليقظة، يقول تعالى: «قَالَ يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ».
ونقرأ في الآيات التي بعدها أنّ إبراهيم عليه السلام استعدّ لتنفيذ هذا الأمر، ولا يخفى أنّ هذه الرؤيا لو كانت مثل الرؤيا العادية لما أقدم إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه أبداً وهذا يكشف عن كونها وحياً إلهياً قطعيّاً.