نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٨ - ٥- منطق منكري الإعجاز
كونها سحراً، تهرّباً من المسؤولية وتحاشياً للرضوخ لها، وهو ما قام به بالضبط فرعون وأتباعه أيضاً في قبال موسى عليه السلام، حيث إنّهم وحتّى بعد مشاهدتهم لغلبة موسى عليه السلام بمفرده على كلّ اولئك السحرة الماهرين المرتاضين وإيمان السحرة به، والذي يدلّ بما لا يدع مجالًا للشكّ على إعجاز موسى عليه السلام، واعتماده على القدرة الإلهيّة، لم يتنازلوا عن كلامهم أيضاً، بل قالوا:
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ». (طه/ ٧٠)
وكذلك يقول: «وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (ليجبرهم على الإيمان)». (الأنعام/ ١١١)
وكذلك يقول: «وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَايُؤْمِنُوا بِهَا». (الأنعام/ ٢٥)
كما يصرّح وفي معرض الردّ على طلبهم لمعجزات مختلفة، بالقول: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ». (العنكبوت/ ٥١)
مفهوم هذا الكلام هو أنّ المعجزة يجب أن تهدف إلى إثبات حقّانية دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأنّ هذا الكتاب السماوي «القرآن» هو أفضل دليل ومعجزة، فما الداعي بعد كلّ هذا للإصرار على المزيد من المعجزات الواحدة تلو الاخرى؟
٣- لا شكّ أنّ المعجزات هي من عند اللَّه في الواقع، وأنّ كلّ ما يملكه الأنبياء منها إنّما هو بإذن اللَّه وأمره، لكن ربّما يخطر على ذهن البعض أحياناً تصوّر بأنّ الأنبياء عليهم السلام، قد أصبحوا فيما يتعلّق بالمعجزات مصداقاً ل «فعّال لما يشاء»، وأنّهم يفعلون كلّ ما يريدونه، وهذا ما ساعد على اتّساع رقعة الغلو في الأنبياء عليهم السلام ودفع بالكثير إلى اعتبارهم كالإله، ولهذا السبب لم يستجب الرسل والأنبياء عليهم السلام الإلهيّون لما يقترح عليهم من المعجزات، بل قالوا: إنّ هذا ليس من شأننا، إنّما هو منوط بإذن اللَّه وأمره ويجب أن نعرف ما هي إرادته.
الدليل على هذا الكلام هو ما نقرأه في قوله تعالى: «وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ». (الرعد/ ٣٨)
كما ورد نفس هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ