نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦ - الإعجاز، أوّل دليل على النبوّة
لشيوع الأمراض آنذاك، فوضع اللَّه هذه المعجزات الخاصّة تحت تصرّف المسيح، ليتعرّف به العالم وغيره ويستسلم له ولتتجلّى عظمة إعجازه بشكل أكبر [١].
هذه الملاحظة أيضاً جديرة بالاعتبار وهي وجود نوع من التنسيق بين هذه المعجزات الماديّة، وبين البرامج المعنوية والتربوية للسيّد المسيح: فلقد ربى بدعوته هذه أناساً متفتّحين على أفكار ومعارف جديدة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، شفاء المرضى الذين يستحيل علاجهم على يديه، وإحياء ضحايا وادي الضلال وهداهم، ومسح بأسرار الغيب وأنوار المعرفة على القلوب، وبهذا كانت تلك المعجزات الماديّة متناسبة مع هذه الأهداف المعنوية.
صحيح أنّ «المعجزة» يجب أن تكون عملًا خارقاً للعادة بحيث يعجز الكلّ عن الإتيان بمثله، لكن اللَّه الحكيم الذي يتصرّف بحكمة، قد اختار المعجزات طبقاً لبرنامج مدروس.
هذه الملاحظة أيضاً جديرة بالتأمّل والتفحّص وهي أنّ التعبير ب «إذن اللَّه» قد تكرّر مرّتين في هذه الآية، لئلّا يضل الجهّال في وادي الشرك أو يبالغوا في درجة النبي إلى مرتبة الغلو، خصوصاً وأنّ كيفية خلق عيسى كانت بشكل يساعد على تهيئة الأرضية المناسبة للغلو في أفكار قصيري النظر، ولذا فقد تمّ التأكيد مراراً على إذن اللَّه وأمره لئلّا يذهب بهم خيالهم إلى اتّصافه واقعاً بصفات الربوبية، وكون هذه الأعمال صادرة منه بنفسه، بل ليعلموا أنّها جميعاً من عند اللَّه.
الآية الثالثة تبيّن بوضوح أنّ موسى عليه السلام قد جاء للفراعنة بالعديد من خوارق العادة، (أو بعبارة أخرى بالآيات المفصّلات)، لكن الملأ من آل فرعون لم يؤمنوا بحجّة كون ذلك «سحراً»، يقول تعالى: «وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ».
[١] وردت هذه الملاحظة في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام (بحار الأنوار، ج ١١، ص ٧٠).