نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠ - ١ و ٢- التربية والتعليم
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
أجل، هذا هو طلب إبراهيم عليه السلام من اللَّه تعالى للُامّة الإسلامية واتّباع محمّد صلى الله عليه و آله، حيث أبان الهدف من بعثة هذا النبي العظيم (وسائر الأنبياء) بكلّ وضوح.
إنّ التأمّل في هاتين الآيتين يكشف عن نكات جديرة بالاعتبار:
أوّلًا: العبارة الواردة في الآية الاولى دليل على معرفة اللَّه تعالى من جهة، وعلى النبوّة الخاصّة لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله من جهة اخرى، حيث تؤكّد الآية أنّ اللَّه تعالى هو الذي بعث نبيّاً بهذه الخصوصيات وهذا لا يتمّ إلّاعن طريق القدرة الإلهيّة فقط: «هُوَ الَّذِى بَعَثَ ...».
وكذلك تقول: إنّ النبي هو ذلك الشخص الذي ظهر من بين جماعة اميّين، لكنّه على الرغم من ذلك فقد أصبح معلّماً للمئات والآلاف، وأفاض على أتباعه العلم والحكمة حتّى ظهر من بينهم بعد فترة قصيرة أكابر العلماء الذين قاموا بتأسيس حضارة عظيمة مشرقة.
ثانياً: دار الحديث في كلتا الآيتين عن أربعة مواضيع وهي «تلاوة آيات اللَّه تعالى» و «تعليم الكتاب» و «تعليم الحكمة» وأخيراً «التزكية والتطهير والتربية».
إنّ الحالة الطبيعية لهذه المواضيع الأربعة، هي كما اشير إليها، بأنّه يجب ابتداءً أن يتعرف ويستأنس سمع الإنسان بكلمات الحقّ تعالى ليدرك بعد ذلك مضمون الكتاب من أعماق هذه الكلمات، ثمّ يتعرّف بعد ذلك على الحكمة أي الأسرار الكامنة فيها، وأخيراً يُطهر وينقي الروح والجسم.
هذا الترتيب الطبيعي يُلاحظ في الآية المرتبطة بدعاء إبراهيم عليه السلام: لكن «التزكية» قد تقدّمت على «تعليم الكتاب والحكمة» كما جاء في قوله تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ». (الجمعة/ ٢) (آل عمران/ ١٦٤)
وذلك لكي تتبيّن هذه الحقيقة التي ترى أنّ الهدف الرئيس من كلّ هذه المقدّمات في تلك الآيات هو الطهارة والتقوى وتربية الإنسان ونمو المثل والقيم الأخلاقية والإنسانية.
ثالثاً: نظراً لتقدّم «التزكية» على «التعليم» في آيتين من القرآن الكريم وتأخّرها عنه في