نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٩ - ٥- موسى عليه السلام
قتيلًا، توجّه إلى اللَّه تعالى وقال: «قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
يا تُرى «ألم يكن التعبير بأنّي ظلمت نفسي وطلب العفو والمغفرة من اللَّه تعالى، دليلًا على ارتكاب الذنب»؟
ثمّ إنّه ورد في الآية التي قبلها أنّ موسى وبعد قتله لعدوّه قال: «هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ».
(القصص/ ١٥)
وبعد هذه الحادثة وحينما بلغ موسى مرتبة النبوّة، وجاء إلى فرعون يدعوه إلى اللَّه، عاتبه فرعون وقال: «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ* قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ». (الشعراء/ ١٩- ٢٠)
صحيح أنّ موسى لم يكن قد بلغ مرتبة النبوّة في ذلك الوقت، ولكن نظراً لضرورة تمتّع الأنبياء بدرجة العصمة حتّى قبل النبوّة، فالتعبير ب «الضالّين» يبدو غير مناسب هنا بعض الشيء.
الجواب:
أوّلًا، وقبل كلّ شيء يجب البحث في ماهية هذا القتل الذي لم يكن بقصد وسبق إصرار، وهو ممّا يصطلح عليه بقتل الخطأ، هل كان جائزاً أم لا؟!
لا شكّ أنّ هذا العمل لم يكن معصية، مع الأخذ بنظر الإعتبار ذلك الموقف المعادي الذي كان يتّخذه قوم فرعون الظالمين من بني إسرائيل، حتّى أنّهم كانوا يذبحون أبناءهم الرضّع ويأخذون بناتهم للخدمة، بل كانوا قد أذاقوهم أقسى أنواع الظلم والعذاب، حتّى أصبحوا مصداقاً للتعبير القرآني: «مفسد في الأرض»، خصوصاً أنّ موسى كان في مقام نصرة المظلوم والدفاع عنه، إذن فجواز قتل هذا الفرعوني الظالم هو ممّا لا شكّ فيه على أقلّ تقدير، فكيف يمكن الخدش في درجة عصمة موسى في مثل هذه الحال.