نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - ٩- الإخلاص المنقطع النظير
اللَّه، والتي نجد أحد مصاديقها في قصّة هود في الآية الثامنة من بحثنا:
إذ قال له قومه إنّك لم تأتنا بدليل واضح ولن نترك آلهتنا لكلامك هذا، بل لن نؤمن بك أصلًا، ونحن نعتقد بأنّ آلهتنا قد غضبت عليك وسلبتك لبك! لكنّه صمد بجرأة وقال: «إِنِّى أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّى بَرِىءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعاً ثُمَّ لَاتُنْظِرُونِ* إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ».
عندما يرى الإنسان شخصاً جاهلًا ومتعصباً، فيصاب بالذهول والفزع، فكيف به إذا أراد أن ينهض لمواجهة قوم منحرفين ويحملون كافة الصفات الرذيلة، وهو لا يملك العُدة والعدد ليتغلب بها عليهم؟! من البديهي إن عملًا كهذا لا يمكن تحققه إلّابواسطة المدد الإلهي، وهي القوة النابعة من التوكل، حيث أن التوكل لا يأتي إلّامن الايمان باللَّه سبحانه وتعالى المهيمن على كافة أرجاء العالم.
والملفت للنظر هو عدم اكتراث الأنبياء عليهم السلام لتهديدات أعدائهم وعدم إبراز أي رد فعل تجاههم، بل على العكس كانوا يحتقرون قدرتهم ويعرضونها للإستفهام ويفهمونهم بأنّهم لا يعيرون لكلّ ذلك المجتمع الوثني المعاند أي اهتمام يذكر، فهذا التوكّل المنقطع النظير هو أحد خصائص الأنبياء عليهم السلام.
٩- الإخلاص المنقطع النظير
وصف «المخلص» ورد ذكره في القرآن مرّة واحدة فقط، وذلك في حقّ موسى بن عمران عليه السلام فقد وصفه بالإخلاص قبل وصفه بالرسالة والنبوّة، يقول تعالى: «وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولًا نَبِيّاً».
لكن نظراً لما ورد على لسان الشيطان في آيتين من القرآن: «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ». (الحجر/ ٣٩- ٤٠) (ص/ ٨٢- ٨٣)
ولبداهة كون الأنبياء عليهم السلام من الذين يعجز الشيطان عن إغوائهم بأي حال من الأحوال