نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - وحدة المسير لدى الأنبياء جميعاً
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً». (النساء/ ١٥٢)
وبهذا فهي تؤكّد على أنّ المؤمنين الحقيقيين هم الذين لا يفرّقون بين الأنبياء الإلهيين، ويؤمنون بكلّ تعاليمهم، وهذا خير دليل على اتّحاد الاصول العامّة لتعاليمهم.
ولِمَ لا يكونون كذلك وقد بعثوا كلّهم من قبل اللَّه، وتساوت أدوارهم، كما أنّ اصول المعارف الإلهيّة وسعادة البشرية واحدة في كلّ مكان، إذ ليست بذلك الشيء الذي يتغيّر بتغيّر جزئياته على مرّ الأيّام.
بالضبط كحاجة الإنسان إلى الطعام والملبس والمسكن والصحّة والنظافة والتربية والتعليم، إذ إنّ اصول هذه الامور ثابتة لا تقبل التغيير، في حين أنّ جزئياتها هي في تحوّل وتغيّر، أي، إنّ في حالة تكامل بعبارة اخرى.
لابدّ من القول: إنّ هذه الآية وطبقاً لسبب نزولها كانت ردّاً على اليهود والنصارى، حيث كان ينفي أحدهما الآخر ويعتبر نبيّه هو الأفضل وكتابه هو الأقدس (مع إهمالهم للآخرين)، فجاء دور المسلمين للتعبير بصراحة باستحالة التفريق بين أنبياء اللَّه.
على أيّة حال فهذا يعدّ توضيحاً مجملًا لوحدة الاصول العامّة لدعوة الأنبياء، والآن نعود إلى بقيّة الآيات التي تؤكّد على كلّ واحد من هذه الاصول.
٢- مسألة الوحي هي واحدة من هذه الاصول والتي عرضت في ثاني آية من الآيات مورد البحث، يقول تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ (أنبياء بني إسرائيل) وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً* رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».
وعلى هذا فالكلّ يشير إلى الوحي والإرتباط بعالم الغيب، والكلّ يخطو في مسيرة إبلاغ الدعوة الإلهيّة وإتمام الحجّة على الناس، لم يقل أحد منهم شيئاً من عنده، والهدف النهائي للكلّ واحد.