نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - ٨- رفع الاختلاف
وثانياً: يقطع على أهل الكذب الطريق ويحول دون تقديمهم الحجج والادّعاءات الجوفاء، أو بتعبير علمي أدقّ فإنّ مسألة استحقاق الجزاء بالنسبة لهذه المجموعة تخرج من إطار «الاستعداد والقوة» إلى حَيّز «الفعلية».
ولذا قال تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»، كما ورد نظير هذا المعنى في آيتين أخريين يتّحد مضمونهما في قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى». (طه/ ١٣٤)
وورد قريب من هذا المعنى في قوله تعالى: «وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». (القصص/ ٤٧)
٨- رفع الاختلاف
المجتمعات البشرية كانت ولا تزال تعاني الأمرّين من الاختلاف وتحترق بناره، وتضيّع المزيد من القدرات والإمكانات الهائلة بسببه، تلك الإمكانات التي لو وضعت في مكانها المناسب لغدت الدنيا جنّة الفردوس.
ومن جهة اخرى فإنّه من المُسلّم أنّ الناس لا يستطيعون تسوية الاختلافات التي تقع بينهم، وذلك بسبب قصور ومحدودية علمهم بكل جوانب الحياة، بالإضافة إلى الأنانية والتكبر الذي يمنعهم من الاذعان والركون إلى بعضهم البعض.
أمّا الأنبياء عليهم السلام الذين ينبع علمهم من بحر علم اللَّه تعالى اللامتناهي والذي لا يُقارَن بمستوى علم البشر، فإنّهم يتمكّنون من أداء دور فعّال في حلّ تلك الاختلافات وإزالتها.
صحيح أنّ عالم المادّيات هو عالم الحجب، إذ لا يمكن رفع الاختلافات كليّاً بين الناس بأيّ طريقة، ولكنّه من المؤكّد إمكان إزالتها نسبيّاً في ظلّ تعاليم الأنبياء عليهم السلام.