نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - جمع الآيات وتفسيرها
علم غيبه عند أنبيائه فقط ثمّ يستعين الآخرون بهم، أي بالضبط مثلما أنّ «مريم» مثلًا، أو امرأة إبراهيم «سارة» اطّلعتا عن طريق الملائكة الإلهيين على البعض من أسرار الغيب فيما يتعلّق بولادة عيسى أو إسحاق ويعقوب عليهم السلام.
كما ويحتمل أيضاً كون العلوم العينية على ثلاثة أقسام: قسم منها خاصّ بذاته تعالى، لم يطّلع عليها سواه حتّى الأنبياء المرسلين والملائكة المقرّبين (كالعلم بزمان قيام الساعة وأمثالها).
الثاني: العلوم الغيبية الخاصّة التي يودعها اللَّه عند المعصومين (الأنبياء والأئمّة والملائكة المقرّبين)، والقسم الثالث: العلوم التي يودعها عند فريق من الأتقياء الذين يبلغون مقام الشهود، وتزال الحجب عن قلوبهم كما ورد عن بعض أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأصحاب أئمّة الهدى عليهم السلام، مثل سلمان وأبي ذرّ وميثم التمّار ورشيد الهجري وأمثالهم، أو ما نقل في عصرنا عن فريق من العلماء المتقدّمين أو المتأخّرين، وبالإمكان إطلاق اسم «خاصّ الخاصّ» على القسم الأوّل و «الخاصّ» على الثاني و «العام» على الثالث.
ويمكن أن تكون العبارات من قبيل «فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ» إشارة إلى نفس هذا المعنى، لأنّ لفظة «غيبه» لها دلالة على الأسرار الغيبية الخاصّة.
٢- إنّه فضلًا عمّا قيل عن الصلحاء من أرباب الكشف والشهود، فلقد سمعنا مراراً وتكراراً أنّ فريقاً من الكهنة في العصر الجاهلي، أو المرتاضين في عصرنا، الذين لم يكونوا من أهل الإيمان والتقوى، يخبرون أحياناً عن أسرار الغيب أو الامور الخافية عن أنظار الناس، ويتوقّعون اموراً تحدث بعد ذلك، أليس هذا منافياً لما قيل آنفاً حول تفسير الآيات؟
لكن الإلتفات إلى نكتة واحدة يكشف الإجابة عن هذا السؤال، وهي إنّ توقّعات المرتاضين وإخبارات الكهنة الغيبية لم تكن أبداً إخبارات يمكن الإعتماد عليها، فضلًا عن عدم خلوّها من الإشتباه بأي حال من الأحوال، فقد تصدق أحياناً وقد تكون كاذبة أحياناً اخرى، وهناك أمثلة كثيرة جدّاً عليها، وبناءً على هذا فلا يمكن أبداً اعتبار هذه الأخبار والمعلومات من علم الغيب، بل إنّهم يعترفون بأنفسهم أحياناً بأنّ هذه الأخبار هي تلقين