نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - ٢- هل تنسجم العصمة مع التقيّة؟
لوجب عليه كتمان أمره وعدم إخبار العدو بالحقيقة، بل لو تمكّن من إغوائهم بعباراته لوجب ذلك، وهذه أيضاً من أوجه التقيّة.
لِمَ نذهب بعيداً، ففي صدر الإسلام حين كان المسلمون يشكّلون الأقلّية، كانوا يكتمون عقائدهم حين وقوعهم في قبضة العدو، لئلّا تذهب الطاقات سدى، فالكل قد سمع قصّة عمّار وأبيه، كما أنّ القرآن أجاز هذه المسألة في العديد من الآيات [١].
ومؤمن آل فرعون الذي وردت قصّته بالتفصيل في القرآن كمثال على ذلك، حيث استخدم أسلوب التقيّة، وعبّر عنه القرآن صراحةً ب «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ». (غافر/ ٢٨)
ولا يجيز أي عاقل أن يكشف المجاهدون عن أنفسهم في مثل هذه الظروف الحسّاسة وهم قلّة، لئلّا يتعرّف عليهم العدو بسهولة ويقضي عليهم.
اللطيف هو أنّ «التقيّة» قد اعتبرت بمثابة الدرع الواقي بالنسبة للمؤمن في الروايات الإسلامية، كما ورد ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «التقيّة ترس المؤمن» [٢].
فلو أنّ أحداً لجأ إلى مكان منيع في ساحة المعركة ليقي نفسه من ضربات العدو، هل يعدّ مرتكباً لعمل مخالف ياترى؟!
ومن هنا يتّضح أنّه كلّما ابتلي أحد بموارد التقيّة وكتم أمره وعقيدته التي يؤمن بها لمصلحة أهمّ، أو تحدّث على خلافها، فهو فضلًا عن عدم ارتكابه للذنب يكون عاملًا بالمباح أو الواجب، وشأن ذلك شأن الكذب لإصلاح ذات البين، أو لإنقاذ حياة مؤمن.
واللطيف هو أنّ القرطبي المفسّر السنّي المعروف، وفي ذيل الآية (١٠٦) من سورة النحل حينما يصل إلى مبحث «التقيّة» يقول: «يعتقد كلّ علماء الإسلام أنّه لو أجبر أحد على التفوّه بعبارات الكفر خوفاً على حياته، فلا حرج عليه في ذلك مع اطمئنان قلبه بالإيمان، ولا تبّين منه زوجته، ولا يحكم بأحكام الكفر» وبعد تعرّضه لقول ضعيف حول
[١] راجع (آل عمران/ ٢٨) و (النحل/ ١٠٦).
[٢] وسائل الشيعة، ج ١١، ح ٦، من الباب ٢٤ من أبواب الأمر بالمعروف ص ٤٦١.