نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - ١- العوامل الداخلية- النفسية
ولا يخفى أنّ الأنبياء- وبفضل ارتباطهم بعالم الغيب وبحر علم الباري اللامتناهي- لهم إحاطة كافية بحجم مفاسد الذنوب، وقبح مثل هذه الأعمال وفلسفة النهي عنها، ومن جهة أخرى فنفس هذا الإرتباط الذي يكون على مستوى الشهود ومشاهدة عالم الغيب، يخلق فيهم حالة من التقوى بحيث تعدّ رادعاً قويّاً أمام دوافع تلك الأهواء والميول.
خلاصة القول هي: إنّ الوقوف على دوافع المعصية من جهة، وعلى مستوى معرفة وتقوى الأنبياء الناتج من ارتباطهم بعالم الغيب من جهة أخرى، يدعونا للتصديق بحصانتهم وابتعادهم عن كلّ أنواع المعصية.
ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام الإشارة باختصار، مع دلالة تامّة إلى الملاحظة الأولى، حيث يقول: «قرنت الحكمة بالعصمة» [١].
مع أنّ العصمة هنا قد جاءت بمعناها العام، أي كلّ أنواع الحصانة من المعصية وفي كلّ مراحلها، لكنّها على أيّة حال تعدّ شاهداً على مرادنا.
وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال «المعصوم هو الممتنع باللَّه من جميع المحارم، وقد قال اللَّه تبارك وتعالى ومن يعتصم باللَّه فقد هدي إلى صراط مستقيم» [٢].
و يمكن أن يكون هذا الحديث إشارة إلى الملاحظة الثانية أو كلتيهما، كما ورد نفس هذا المعنى في حديث هشام بن الحكم بشكل أوفى، فعن ابن أبي عمير- الذي يعدّ من كبار أصحاب الإمام الصادق عليه السلام- أنّه قال: «ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي إيّاه شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام، فانّي سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم؟ قال نعم، قلت له: فما صفة العصمة فيه؟ وبأي شيء تُعرف؟ قال:
إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة، فهذه منتفية عنه. ثمّ أضاف قائلًا:
[١] غرر الحكم.
[٢] بحار الأنوار، ج ٥، ص ١٩٤، ح ٦؛ والآية من آل عمران ١٠١.