نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - ١- العوامل الداخلية- النفسية
فالشخص الذي تتلوث يداه بدماء ضحيّة بريئة مثلًا، أو يختار طريق السرقة والسقوط والرشوة، أو يبتلى بلعب القمار وشرب الخمور وتعاطي المواد المخدّرة، لا يخرج عن أحد حالين: إمّا أنّه لا يعلم بمفاسد هذه الأمور بشكل تامّ، أو أنّه عالم بها إلّاأنّه لا يستطيع الصمود أمام ثورة الشهوات والأهواء وعنفوانهما.
وبناءً على هذا فالعلم والإطّلاع لوحدهما غير كافيين للردع عمّا هو غير مرغوب فيه، بل لابدّ- إلى جانب ذلك- من التسلّط على النفس والأهواء.
إن الثمرة التي يمكن أن نجنيها من هذا البحث هي أنّ الإنسان لو كان له اطّلاع كافٍ بقباحة عمل ما، وتسلّط كامل على نفسه وميوله، فيستحيل صدور هذا العمل منه (المراد هنا بطبيعة الحال هو المحال العادي لا العقلي كاجتماع الضدّين) (تأمّل جيّداً).
ويمكن بيان هذه الحقيقة ببعض الأمثلة، وهي أنّ الكثير منّا يمتلك حالة شبيهة بالعصمة في قبال البعض من الذنوب، (أمام البعض منها فقط) مثلًا، لا نجد بيننا من يوافق على الخروج إلى الأزقّة عارياً في وضح النهار، ولو صادف أن قام أحدنا بمثل هذا العمل فسوف نقطع بزوال عقله ورشده، وإلّا فيستحيل الإقدام على هذا الشيء مع وجود العقل والوعي.
شرب مياه المجاري القذرة والملوّثة حرام قطعاً، فهل ياترى يوجد بيننا عاقل يُقدم على عمل كهذا؟
الطبيب الماهر المتبحّر في أسرار علم الطب وخطورة أنواع الأمراض المعدية، لا يوافق أبداً على شرب غسالة ملابس المرضى المبتلين بالأمراض والأوبئة المعدية.
وبهذا يمكن القول باختصار: إنّ لنا حصانة ومناعة أمام مثل هذه الأعمال القبيحة، وذلك لوقوفنا عن كثب على مفاسدها، بل إنّ قوّة عقولنا ومعارفنا وإيماننا ستحطّم تلك الميول والرغبات، لو حاولت في يوم ما إيقاعنا في مخالب مثل هذه الأمور، إذن فلو وجد هناك من له اطّلاع كاطّلاعنا على قبح الذنوب والمعاصي، فمن المسلّم أنّه سيتجنّبها بجديّة.
وبعبارة أخرى، إنّ الدوافع نحو المعصية- أعمّ من الجهل أو غلبة الشهوات والأهواء- وقد انتهت وتلاشت في وجود الأنبياء والأئمّة المعصومين في ظلّ علمهم ومعرفتهم وتقواهم.