نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - ٨- يونس عليه السلام
ونفس هذا المعنى تكرّر أيضاً في سورة الصافات، وذلك بعد الإشارة إلى قصّة هربه من قومه وركوبه في السفينة، وإلقاء القرعة ثمّ إلقائه في فم حوت عظيم، يقول تعالى: «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ». (الصافات/ ١٤٣- ١٤٤)
ما هو الذنب الذي اقترفه ليسجن في بطن الحوت، ويلبث فيه مدّة مديدة لولا تسبيحه للَّه تعالى؟، خلاصة القول: إنّ قصّة يونس عليه السلام التي جاءت في ثلاث سور من القرآن الكريم (الأنبياء، القلم، الصافات) وبعبارات مختلفة تثير استفهامات شتّى حول مقام عصمة هذا النبي العظيم وتستدعي جواباً منطقيّاً.
الجواب:
صحيح أنّ التعابير المختلفة للآيات المذكورة تبيّن أنّ ذنباً ما قد صدر من يونس عليه السلام، فالتعبير ب «الظالم» و «المليم» (يأتي أحياناً بمعنى ملامة النفس، أو القيام بعمل يستوجب ملامة الآخرين لفاعله، لأنّ لفظة «المليم» قد فسّرت بكلا المعنيين)، وكذلك التعبير بأنّ يونس عليه السلام: «فلَوْلا أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ الى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»، والتعبير ب «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ» وتعبير «لَاتَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ»، الذي يأمر نبي الإسلام صلى الله عليه و آله: بأن لا يكون كيونس عليه السلام، وكذلك تعبير: «لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ»، كلّ هذه التعابير تبيّن وقوع شيء ممّا لا ينبغي وقوعه.
لكن القرائن تشير إلى أنّ هذا العمل المخالف لم يكن سوى ترك الأولى، لأنّ اللَّه تعالى وفي نفس هذه الآيات قد تحدّث عن يونس كنبي مرسل، موضع العناية الإلهيّة الخاصّة، وفي سورة (الأنعام/ ٨٦) يعتبره اللَّه تعالى من الأنبياء العظام الذين فضّلهم على العالمين، كما يعتبره في عداد الأنبياء عظيمي الشأن كإبراهيم ونوح وإسماعيل وعيسى عليهم السلام، وذلك في سورة (النساء/ ١٦٣).
امّا ما هو ترك الأولى هذا؟ فهناك احتمالات متنوّعة، يمكن لكلّ واحد منها منفرداً