الطفل بين الوراثة والتربية - الفلسفي، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٥٩ - التربية على أساس الايمان
ومرت الأيام بالتدريح ، حتى ظهرت الأوضاع والتحولات المفاجئة التي أدارت سير الزمن لصالحه. فقد تربع أبوه ( الذي كان والياً في يوم ما على المدينة ثم عزل من ولايته عليها ) على دست الخلافة ، على أثر التطورات السياسية المعروفة ، ونصب ( عبد الملك ) ذلك الشاب العطوف ولياً للعهد...
ولم تمض أشهر قليلة حتى دس السم إلى مروان ومات ... فجلس عبد الملك على كرسي الخلافة بعده ... وهنا استيقظت ميوله وشهواته ووجدت لها مجالا واسا للمبارزة والكفاح.
لقد كان الوجدان يحكم إلى الأمس القريب في سلوك عبد الملك دون معارض أو معاند ، ولذلك كان يجتنب من الظلم والأفعال الاانسانية أما اليوم فقد استيقظت غرائزه ، وتعالت ألسنة نيرانها ، حتى اضطر وجدانه إلى الانسحاب والاندحار أمام تلك الأوضاع ، وكأن لم يكن في باطن عبد الملك وارتكبوا الجرائم الفظيعة التي لا حد لها ولا حصر.
يذكر لنا المؤرخون أنه لما أرسل ( يزيد ) جيشاً إلى مكة لقتل ( عبدالله بن الزبير ) كان عبدالملك يقول : العياذ بالله أفهل يجهز أحد جيشاً لمحاربة بيت الله الحرام؟! أما عندما تولى الخلافة بنفسه فقد أرسل جيشاً أعظم بقيادة الحجاج بن يوسف ( المجرم المعروف ) إلى مكة ، وقتل في سبيل ذلك كثيراً من الناس في حرم الله ليقبض على عبدالله بن الزبير وأخيراً فقد حز رأسه وأرسله إلى عبدالملك في الشام وعلق جثته على عود المشنقة!.
حينئذ يقول عبد الملك : إني كنت أتمانع من قتل نملة ضعيفة أما الآن فعندما يخبرني الحجاج عن قتل الناس لا أجد أي قلق أو تأثر في نفسي! لقد قال أحد العلماء واسمه ( الزهري ) يوماً لعبد الملك : سمعت أنك تشرب الخمر! فأجابه نعم والله ، أشرب الخمر ، وأشرب دماء الناس أيضاً [١].
ما أكثر الناس من أمثال عبدالملك على مر التاريخ ، وحتى في عصرنا
[١] تتمة المنتهى ص ٨٤.