إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٧ - الحكمة (١٣٢)
الحكمة [١٣٧]
وَ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: وَ قَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَذُمُّ اَلدُّنْيَا:
أَيُّهَا اَلذَّامُّ لِلدُّنْيَا، اَلْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا، اَلْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا، أَ تَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا؟ أَنْتَ(*) اَلْمُتَجَرِّمُ[١] عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ اَلْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ؟ مَتَى اِسْتَهْوَتْكَ[٢] أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ؟ أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ اَلْبِلَى، أَمْ بِمَضَاجِعِ[٣] أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ اَلثَّرَى؟ كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ! وَ كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ! تَبْتَغِي لَهُمُ اَلشِّفَاءَ، وَ تَسْتَوْصِفُ لَهُمُ اَلْأَطِبَّاءَ، غَدَاةَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ، وَ لاَ يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ، لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ، وَ لَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطَلِبَتِكَ، وَ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ، وَ قَدْ مَثَّلَتْ[٤] لَكَ بِهِ اَلدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَ بِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ[٥].
إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اِتَّعَظَ بِهَا، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اَللَّهِ، وَ مُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اَللَّهِ، وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اَللَّهِ، وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اَللَّهِ، اِكْتَسَبُوا فِيهَا اَلرَّحْمَةَ، وَ رَبِحُوا فِيهَا اَلْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَ قَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَ نَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَ نَعَتْ نَفْسَهَا وَ أَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلاَئِهَا اَلْبَلاَءَ، وَ شَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى اَلسُّرُورِ، رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ، وَ اِبْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وَ تَرْهِيباً، وَ تَخْوِيفاً وَ تَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ اَلنَّدَامَةِ، وَ حَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، ذَكَّرَتْهُمُ اَلدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا، وَ حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَ وَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا.
(*) و في نسخةٍ بزيادة الهمزة قبل الضمير (أنت).
[١] الَمُتجرِّمُ: تجرّم عليه: اتّهمه بجرم.
[٢] استهْوَتْكَ: طلبت أن تهويها.
[٣] مَضَاجِعِ: ضجع: وضع جنبه بالأرض، المضجع جمع: مضاجع: موضع الاضطجاع. [المنجد]
[٤] مثَّلَتْ: صوّرت.
[٥] المصْرَعْ: مكان الصرع، صرع صرعاً: طرحه على الأرض.