منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩ - (منها)
و قال في الدلالة على جسيم نعمته أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ.
فانّ في تعداد تلك النعم اشارة إلى عظيم ما منّ به على عباده فمن تفكّر فيها أناب إلى طريق الحقّ و نهج الصواب، و خاف من سوء المال و أليم العذاب (و لكن) الناس بمعزل عن هذا بعيدون عن الاهتداء إليه لأنّ (القلوب عليلة) سقيمة (و الأبصار) أى البصاير كما في بعض النسخ (مدخولة) معيبة، فكان مرضها و علّتها مانعة عن التدبّر و التفكر.
و المراد بعلّتها خروجها عن حدّ الاعتدال و الاستقامة بسبب توجّهها إلى الشهوات النفسانيّة و العلايق البدنية، لأنّ مرض القلوب عبارة عن فتورها عن درك الحق بسبب شوبها بالشكوك و الشبهات و فسادها بالعلايق و الامنيات، كما أنّ مرض الأعضاء عبارة عن فتورها عن القيام بالاثار المطلوبة منها بسبب طروّ الفساد عليها و خروجها عن حدّ الاعتدال.
قال تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً و قال وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أي غطاء، فانهم لما اعرضوا عن النظر فيما كلفوه أو قصروا فيما اريد منهم جهلوا ما لزمهم الايمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء و هو معنى العيب في الأبصار.
فان قيل: لم خصّ القلوب و الأبصار بالذكر.
قلت: لأنّ القلب محلّ الفكر و النظر و الأبصار طريق إليها و إن كانت الأسماع طريقا أيضا إلّا أنّ الأبصار لكونها أعظم الطرق خصّت بالذّكر و قد جمعتها جميعا الاية الشريفة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
و لما أشار إلى عظيم قدرته اجمالا و وبخ على غفلة القلوب و عيب الأبصار و كان المقصود بذلك جذب نفوس المخاطبين و توجيه قلوبهم إلى إقبال ما يذكّرهم به أو