منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٧ - المعنى
وجه الاتقان و الاحكام، و تقديره إيّاها على النظام الأكمل و إفاضتها علينا و إهداء كلّ منها إلى ما خلق لأجلها من المصالح و المنافع التي لا تعدّ و لا تحصى، تجلّي سبحانه لعقولنا و علمنا علما لا يعتريه شكّ و ريب أنّ لها صانعا قادرا عالما مدبّرا حكيما و أيضا فانه سبحانه لما خلق تلك الالات و الحواس المدركة لبدايع ما في عالم الامكان عرفنا بإدراكها أنّ لذلك العالم مبدعا قادرا و صانعا قاهرا فكانت تلك الالات طرقا لعرفان العقل كما قال عزّ من قائل سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ و معنى قوله: و بها امتنع عن نظر العيون، أنّه بها استنبطنا استحالة كونه مرئيا بحاسة البصر، و ذلك لأنا بالمشاعر و الحواس كملت عقولنا استخرجنا الدّلالة على أنّه لا تصحّ رؤيته، و عرفنا أنه يستحيل أن يعرف بغير العقل و أنّ قول من قال إنّا سنعرفه رؤية و مشافهة بالحاسة باطل، هكذا قال الشارح المعتزلي.
و قال الشارح البحراني: إنّه بايجادها و خلقها بحيث تدرك بحاسّة البصر علم أنّه تعالى يمتنع أن يكون مرئيا مثلها، و ذلك لأنّ تلك الالات إنما كانت متعلّقة حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع وجهة و لون و غيره من شرايط الرؤية، و لما كانت هذه الأمور ممتنعة في حقّه تعالى لا جرم امتنع أن يكون محلّا لنظر العيون.
و قال العلّامة المجلسي (ره): لما رأينا المشاعر انما تدرك ما كان ذا وضع بالنسبة إليها علمنا أنه لا يدرك بها، لاستحالة الوضع فيه.
و الثالث و العشرون أنه سبحانه (لا يجرى عليه السكون و الحركة) لأنّهما من أقسام الأعراض و أوصاف الأجسام فيستحيل جريانهما عليه سبحانه، و أوضح ذلك الدّليل بوجوه:
أحدها ما أشار إليه بقوله استفهام انكارى (و كيف يجرى عليه ما هو أجراه و يعود فيه ما هو أبداه و يحدث فيه ما هو أحدثه) استفهام على سبيل الانكار و الابطال لجريهما عليه تعالى تقريره أنّه عزّ و جلّ هو جاعل الحركة و السّكون و مبدؤهما و موجدهما فهما من مجعولاته و آثاره سبحانه في الأجسام، و كلّ ما كان من آثاره فيستحيل