منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٤ - المعنى
ليس بجسم و لا جسماني و لا ذي مقدار فاستحال أن تحدّه الالات و تعدّه الأدوات.
و أمّا المشاعر الباطنة فانّ مدركاتها و إن لم تكن مقصورة في المحسوسات و الموجودات إلّا أنها إذا حملت على ما ليس بموجود في الخارج ترجع و تخترع صورة مماثلة للموجود حسبما عرفته في شرح الفصل الثاني من المختار الأوّل فهي أيضا لا تتعلّق إلّا بما يماثلها في الامكان و لا تحيط إلّا بما هو في صورة جسم أو جسماني.
فاتّضح بذلك أنّ أفعال الأدوات و الالات و آثارها إنما توجد في الأشياء الممكنة الّتي هي مثلها لا فيه تعالى، هذا.
و لما ذكر أنّه سبحانه أجلّ و أعظم شأنا و قدسا من دخوله في عداد المحدودات و أكّده باستحالة التحديد و الاشارة إليه سبحانه من الالات و الأدوات لكون مدركاتها مقصورة محصورة في أسناخها و أشباهها من الممكنات و المحسوسات و أكّده ثانيا بالتنبيه على أنّ الالات موصوفة بالحدوث و الامكان و النقص، و الحقّ الأوّل جلّ شأنه و عظم سلطانه موصوف بالقدم و الوجوب و الكمال، فكيف لها أن تحوم حوم حضرة القدس و أنّى للحادث أن يحدّ القديم و للممكن الاشارة إلى الواجب و للناقص الاحاطة بمن هو في غاية العظمة و الكمال و الجبروت و الجلال.
و ذلك قوله (منعتها منذ القدمة و حمتها قد الأزلية و جنبتها لو لا التّكملة) فالمقصود بهذا الكلام التنبيه على حدوث الالات و الأدوات و نقصها صراحة و الاشارة إلى قدم الباري تعالى و كماله ضمنا أو بالعكس، و الأوّل مبنيّ على كون منذ و قد و لو لا مرفوعات المحل على الفاعلية، و الثاني على انتصابها بالمفعوليّة و كون الفاعل القدمة و الأزليّة و التكملة و الأوّل أولى و أنسب لمطابقته لنسخة الرضيّ كما روي و لكون قرب هذه الجمل بقوله و إنما تحدّ الأدوات آه مشعرا بكون عمدة النظر فيهما إلى بيان وصف الالات بالحدوث و إظهار نقصها و قصورها و ان كان المقصود بالذات منهما جميعا الدلالة على تنزيه الباري سبحانه من القصور و النقصان.
و كيف كان فتوضيح دلالة هذا الكلام على المرام يحتاج إلى تمهيد مقدّمة