منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٣ - المعنى
فهذا الوجه ألجأ الشّارح إلى تخصيصه المقهورين بالعرب خاصّة.
قلت: غرض أمير المؤمنين ٧ من سوق كلامه حسبما عرفت سابقا و تعرفه أيضا أحكام لحوق الذّل على فرق الأنام بسبب التفرّق و اختلاف الكلام من أيّ فرقة كانت، و ذكر بني إسماعيل و إسحاق و إسرائيل من باب التمثيل و الاستطراد و مزيد التوضيح لهذا المرام، و من المعلوم أنّ الذلّ اللّاحق ببنى إسرائيل من أجل اختلاف الاراء أظهر و أجلى من الذلّ اللّاحق ببنى إسماعيل، فكون كلامه ذلك إشارة إلى مقهوريّة الفرقتين جميعا أثبت لهذا الغرض و أدخل فى التوضيح.
و ما قاله الشارح فى وجه تخصيص الأذلّاء المقهورين بالفرقة الثانية فقط من عدم المعرفة بمن يحتازه الأكاسرة و القياصرة إلى البادية من بنى إسرائيل.
ففيه أوّلا أنّه بعد ثبوت قوّة سلطنة الأكاسرة و القياصرة و استيلائهم على البلدان و كون هممهم مقصورة على فتح الأمصار و على القتل و النّهب في الأصقاع و الأقطار تارة بالعراق و توابعها، و أخرى بالشام و مضافاتها، فالعادة قاضية بانجلاء أهلها منها حتما، و هربهم منها إلى البوادى و المفاوز البعيدة حفظا للدّماء، و حذرا من النّهب و الاستيصال، فعدم المعرفة بأعيان المحتازين المشرّدين و عدم وجدانهم لا يدلّ على عدم الوجود بعد شهادة الاستقراء و قضاء العادة و إفادة ظاهر كلامه ٧ له.
و ثانيا أنّ مفاد كلامه ٧ كما ترى أنّ بني إسماعيل و إسحاق و إسرائيل كانوا مشرّدين عن عقر دارهم إلى البوادي بفعل الأكاسرة و القياصرة، يكفى في صدق هذا الكلام و صحّته كون المشرّدين من مجموع الفرق الثلاث و إن كان من بعضها قليلا كبنى إسرائيل على زعم الشّارح، و من البعض الاخر كثيرا كبنى إسماعيل، فلا حاجة على ذلك إلى تمحّل التكلّف أصلا.
و بعد هذا كلّه فلا بأس بأن نذكر طرفا ممّا وقع على بنى إسماعيل و بنى إسرائيل من القتل و الغارة فى دولة الأكاسرة و القياصرة بملاحظة اقتضاء المقام و مسيس الحاجة.