منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٨ - المعنى
المعنى
اعلم أنه لما نبّه في الفصل السابق على أنّ المطلوب من العباد هو التواضع و التذلّل و اخلاص النية و العمل، مستشهدا على ذلك ببعث الأنبياء العظام و السفراء الكرام بحال الذلّ و الفاقة و الفقر و الخصاصة، و بوضع البيت الحرام بأقفر البلاد و أوعر الجبال، و ختم الفصل بأنّ التواضع و التذلّل باب مفتوح للفضل و الاحسان، و سبب ذلول للعفو و الغفران، عقّبه بهذا الفصل تذكيرا للمخاطبين، و ترغيبا لهم على ملازمة هذين الوصفين و الأخذ بهما، و تحذيرا لهم عن الأخذ بضدّهما و هو التكبر و الخيلاء، و تنبيها على أنّ الغرض الأصلي في وضع ساير العبادات من الصلاة و الزكاة و الصيام بكيفيّاتها المخصوصة أيضا هذا المعني أعني التذلّل و الاستكانة فقال ٧:
(فاللّه اللّه في عاجل البغي و آجل و خامة الظلم و سوء عاقبة الكبر) أى اتقوا اللّه سبحانه و احذروه تعالى فيما يترتّب على البغي و الظلم عاجلا و آجلا من العقوبات الدنيويّة و الاخروية، و الاتيان في الأوّل بالعاجل و في الثاني بالاجل لمجرّد التفنن لا للاختصاص.
و المعاني المتقدّمة للبغى كلّها محتملة هنا إلّا أنّ الأنسب الأظهر بمساق الخطبة أنّ المراد به العدول عن الحقّ و التجاوز عن الحد او السّعى فى الفساد، أو الخروج عن طاعة الامام و أمّا سوء عاقبة الكبر فلكونه مؤدّيا إلى الهلاك الاخروى الموجب للعذاب الأليم و النكال العظيم كما يفصح عنه تعليله وجوب الحذر عنه أو عنه و عن سابقيه بقوله:
(فانّها مصيدة ابليس العظمى) الّتى يصيد بها القلوب و يأخذها و يملكها أخذ الصياد للصيّد بشركه و حبائله.
قال الشارح البحرانى: و وصفها بالعظم باعتبار قوّة الكبر و كثرة ما يستلزمه من الرذائل.
(و مكيدته الكبرى) أى خديعته الكبيرة و كيده القوى، لأنّه يحسّنه فى نظر المتكبّر و يزيّنه و يذكر محاسنه مع أنها مقابح في الواقع، فيوقعه فيه بتمويهه