منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٤ - الفايدة الثالثة
في مقام التمرّد و الانية و العناد.
و كذلك جرت عادة اللّه سبحانه على أن (يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم، و نفيا للاستكبار عنهم، و ابعادا للخيلاء منهم) يعنى أنّه سبحانه يكلّفهم بأحكام لا يعلمون دليلها و سرّها و نكتتها و الغرض منها، ليميّز المنقاد من المتمرّد و المتذلّل من المستكبر.
ألا ترى أنّ أكثر الأحكام الشرعيّة الّتي في شرعنا مما لم يستقلّ العقل بحكمه من هذا القبيل.
و كذلك غالب أحكام ساير الشرائع تعبّديات صرفة، مثل وجوب حمل الامم السالفة قرا بينهم على أعناقهم إلى بيت المقدّس، فمن قبل قربانه جائته نار فأكلته، فانّ علّة وجوب حملها على الأعناق و نكتة ذلك التكليف الشاقّ غير معلومة.
و كذا المصلحة في إحراق القربان ذى الحياة بالنّار ممّا لا نفهمها.
و مثل ما امتحن اللّه به جنود طالوت من شرب الماء حيث قال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.
و مثله ما اختبر به اصحاب السّبت من نهيهم عن الصيد في يوم السّبت، فانّ العقل لا يفرق بين أيام الاسبوع و لا يدرك قبح الصّيد في ذلك اليوم وجهة النهي عنه و حسنه في ساير الأيام و جهة إباحته، فانظر الى عظم البلوى في ذلك التكليف كيف أوقعهم التعدّى عنه في الخزى العظيم. فكانوا قردة خاسئين.
كما قال سبحانه وَ سْئَلْهُمْ أى اليهود عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ إلى قوله وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.
قال في تفسير الامام قال عليّ بن الحسين ٧ قال اللّه عزّ و جلّ فَلَمَّا عَتَوْا صاروا و أعرضوا و تكبّروا عن قبول الزّجر عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ مبعدين من الخير مبغضين، هذا.