منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٧ - الفايدة الثالثة
الفايدة الثانية
نقلوا في سبب هذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته ٧ قد فسدوا و كانوا قبايل متعدّدة، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة اخرى فيصيبه أدنى مكروه فينادى باسم قبيلته، مثلا يا للنخع يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة و إثارة الشرّ، فيتألّب عليه فتيان القبيلة، فينادون يا لتميم و يا لربيعة، و يقبلون إلى ذلك الصايح فيضربونه، فيمضى إلى قبيلته فيستصرخها فتثور الفتن و تسلّ السيوف، و لا يكون لها أصل في الحقيقة إلّا تعرّض الفتيان بعضهم ببعض، و كثر ذلك فخرج ٧ على ناقته فخطبهم بهذه الخطبة كسرا لصولتهم.
الفايدة الثالثة
قال السيد ; (و هى تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره و تركه السجود لادم ٧ و انّه أول من أظهر العصبية و تبع الحميّة و تحذير الناس من سلوك طريقته).
أقول: للّه درّ السيّد فقد وقف على أنجد هذه الخطبة و لم يقف على أغوارها، و خاض في ضحا ضحها و لم يلجج في غمارها، أو أن تقريره قصر عن التعبير بما انطوى عليه ضميره، فانّ الغرض الأصلى لأمير المؤمنين ٧ من هذه الخطبة هو تقريع المتكبّرين، و توبيخ المتجبّرين، و تهديد المستكبرين، و زجرهم و إزعاجهم عن التجبّر و الاستكبار، و ردعهم عن الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة الخسيسة و الخصلة الرذيلة و لما كان اقتصاص حال ابليس أبلغ في التأدية إلى هذا الغرض و آكد في مقام الرّد و الابعاد، و أشدّ في التهديد و الايعاد، لا جرم صدّر الكلام باقتضاء الحال و المقام لشرح حال ابليس اللّعين، و أطنب ببيان ما نزل به من النكال العظيم و العذاب الأليم.
و قد ذكرنا في ديباجة الشرح أنّ اللّازم على الخطيب المصقع أن يراعى حسن الابتداء و يصدّر كلامه بما يناسب الغرض المسوق لأجله الكلام.
اذا عرفت ذلك ظهر لك إن كنت من الصناعة أنّ هذه الخطبة تقطر الفصاحة من أعطافها، و تؤخذ البلاغة من ألفاظها، و إن تدبّرت عرفت فيها حسن كفايتها