منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٩ - المعنى
لنا على جوازه و وقوعه في الحيوان أنّ الأدلة من الكتاب و السّنّة قد دلّت على أنّ الأنواع على اختلافها منطقا مفهوما و ألفاظا تفيد أغراضها بمنزلة الأعجمي و العربي اللّذين لا يفهم أحدهما كلام صاحبه و إنما يفهمه المشارك له في هذه اللهجة فاذا جاز لها النطق في ساير أغراضها جاز لها النّطق في تسبيح خالقها أيضا.
و الشاهد على أنها ذوات نطق و ادراك و شعور، و أنها تنطق بتوحيده و تسبيحه تعالى قوله سبحانه حكاية عن نملة سليمان قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها و قوله تعالى حكاية عن سليمان يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ و قوله عزّ و جلّ حكاية عن الهدهد و تكلّمه مع سليمان فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ.
و في هذه الاية وجوه من الدّلالة على المدّعى.
احدها دلالة هذه الايات بمجموعها على أنّ سليمان كان مع الهدهد في مقام الخطاب و السؤال و الجواب حتّى نزله في آخر مقاله منزلة العاقلين و جعل خبره محتملا للصدق و الكذب و قال سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ و ذلك كلّه يدلّ على أنّه كان عالما فهما شاعرا لما يقول و يجيب به.
الثاني قوله لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً فانّ التعذيب لا يجوز من النّبى المعصوم إلّا مع التقصير في التكليف، و الهدهد لما كان مأمورا بطاعته كساير الوحوش و الطيور استحقّ العقاب لغيبته بدون اذنه، و اعترف الرازى أيضا بذلك حيث قال قوله لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً اه فهذا لا يجوز أن يقوله إلّا فيمن هو مكلّف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدّب.