منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٣ - المعنى
و علل اخرى بقوله استعاره (و معقلا منيعا ذروته) أى ملجئا مانعا أعلاه لمن التجأ إليه من نيل المكروه.
و الظاهر أنه استعار لفظ المعقل لمقام القرب من الحقّ فكما أنّ المعقل يمنع الملتجيء إليه من اصابة السّوء فكذلك التقرّب إلى اللّه سبحانه يمنع المتقرّب من نيل المكاره و المساوى، فيكون محصّل المعنى أنّ من اعتصم بالتقوى فقد التجأ إلى معقل منيع و حصن حصين و ذلك الحصن هو رضوان اللّه سبحانه و الزلفى لديه.
قال سبحانه لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ و قال وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ هذا.
و قد شبّه ٧ نفس التقوى بالحصن و الحرز في بعض كلماته و هو قوله في المختار المأة و الأربعة و الخمسين: اعلموا عباد اللّه أنّ التقوى دار حصن عزيز و الفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله و لا يحرز من لجأ إليه.
و لما أمر بالاعتصام بالتقوى عقّبه و أكّده بالأمر بالمسارعة إلى الموت فقال (و بادروا الموت و غمراته) أى شدائده و سكراته، و معنى المبادرة إليه المسارعة إليه بالخيرات و الصّالحات قال سبحانه فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ^ وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أى سارعوا إلى أسباب المغفرة و موجباتها و هي الأعمال الصّالحة لتكون زادا للموت و لما بعده من الشدائد و الأهوال.
ففى الحقيقة أمره ٧ بمبادرة الموت إلزام بالسّرعة إلى تهيئة الأسباب و المقدّمات النافعة عند قدومه، و إلّا فلموت كلّ أحد أجل معيّن لا يتقدّم عليه و لا يتأخّر، و هو كذلك فلا يتصوّر فيه المسارعة و البدار قال سبحانه فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ^.
و يوضح ما قلناه قوله ٧ (و امهدوا له قبل حلوله) فانّه توضيح و تفسير للفقرة السابقة، أى اعملوا له و اكتسبوا من صالح الأعمال لأجله قبل حلوله.