منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨١ - المعنى
نعم امور الدّين و أحكام الشرع المبين قد كانت يومئذ معطّلة مختلّة مضطربة ليس لها حافظ و لا مدبّر لغلبة التقية و كون أئمّة الحق في زاوية الخمول غير متمكنين من إقامة دعائم الشريعة و من حفظ مراسمها و إصلاح معالمها.
فان قلت: الظاهر أنّ مراد الشارح بقوله: عن مدبّر يدبرها، من يدبّر في رفع تلك الفتنة لا من يدبّر فى ترويجها و تقويتها، و القرينة على أنّ مراده ذلك قوله و يحفظ الامور و ينتظم الدّين كما هو غير خفى.
قلت: سلّمنا ظهور كلامه بقرينة الجملتين المعطوفتين في كون مراده ما ذكرت إلّا أنّ بقوله ٧ قبل أن تشغر برجلها فتنة لا يدلّ على هذا المعنى أصلا كما هو واضح لا يخفى.
و الذي عندى في شرح هذه الفقرة أنه شبّه الفتنة على سبيل الاستعارة بالكناية بالبعير الشموس الذي يرفع رجله و يدوس من لقاه و يطأ في خطامه و يخبط من قاربه و دناه، لعدم قائد يقوده و لا ممسك يمسكه فأثبت لها الشغر بالرجل و الوطاء في الخطام تخييلا و ترشيحا للاستعارة.
و وجه الاستعارة أنّ البعير الموصوف بالأوصاف المذكورة كما أنه يكون عامّ الضرر ليس له من أذيه رافع و لا رادع، فكذلك هذه الفتنة عند بروزها و ظهورها لا يكون من مضارّها و مفاسدها رادّ و لا مانع.
و نظير هذا التشبيه ما مرّ فى المختار الثاني فى قوله: في فتن داستهم بأخفافها و وطأتهم بأظلافها و قامت بهم على سنابكها.
و قوله (و تذهب بأحلام قومها) نظير ما مرّ في المختار الثاني تلو العبارة المتقدّمة آنفا: فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون.
و المراد أنّ تلك الفتنة لشدّتها و قوّة الباطل فيها و ضعف الحقّ فيها و غلبة الضلال على أهلها يذهب بعقول ذوى العقول فيتردّدون في معرفة الحقّ و لا يهتدون إلى سبيل الرّشاد و طريق الصلاح و السداد إلّا من عصمه اللّه بفضله و هداه إلى قصد سبيله، و هو الهادي إلى النهج القويم و الصراط المستقيم
.