رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١٦٨ - «حال القاهرة في ايام الدولة العلية العثمانية»
و أوقعوا السلب و النهب بالتجار و الاهالي و استمرت الفتن و في زمن محمد باشا الشريف في سنة ١٠٠٤ ه حصلت محاربات في الرميلة و باب الوزير و كذا في زمن خضر باشا في سنة ١٠٠٧ ه و في زمن علي باشا فشا شرب الدخان بمصر و لم يكن معروفا بها قبل ذلك و في سنة ١٠١٢ ه قتلت العساكر ابراهيم باشا الوالي و صارت الحكومة فوضى لا رئيس لها فحل بالناس كل مكروه و تعطل السفر برا و بحرا لقيام الاشقياء من العرب و الفلاحين و حل بالقاهرة من القحط و الغلاء و الوباء ما تسبب عنه خراب كثير منها و ازداد الفساد في سنة ١٠١٦ ه و حصلت في بركة الحاج حروب بين عساكر الوالي و العساكر القائمة مع الامراء العصاة و في كل واقعة تغتنم العرب فرصة النهب و السلب و بعضهم يفر في جهات الارياف و البعض ينتمي ظاهرا الى احد الطائفتين و اتسع نطاق فسادهم و تقاسموا الاقاليم القبلية و البحرية و في سنة ١٠٢٧ ه حضر من الاستانة اربعة آلاف عسكري أبعدتهم الدولة عن مقر الحكومة لانهم كانوا أثاروا بها الفتن و انفذت لوالي مصر أن يبعث بهم الى اليمن عند حلولهم بديار مصر فلما أراد الباشا ارسالهم الى تلك الجهة و شرع في تجهيزهم قاموا على قدم العصيان و قفلوا باب الفتوح و باب النصر و عملوا متاريس بالطريق و الشوارع و استولوا على كثير من المنازل و وصلوا بعضها ببعض فوجه اليهم الباشا العساكر المصرية و وقع بين الفريقين القتال عدة أيام حتى انتهى بخراب جهة الجمالية و الخرنفش و باب الشعرية و الحسينية و ما جاور ذلك و استمرت الفتن بين العساكر الى سنة ١٠٣٥ ه بما يتخلل ذلك من الغلاء كالغلاء الفاحش الذي حصل في زمن ابراهيم باشا السلاحدار فقد لقى الناس فيه هولا شديدا.
و في سنة ١٠٣٧ زمن الوزير محمد باشا عين العساكر للسفر الى بلاد الحبشة صحبة الامير قانصوه فعسكروا بالعباسية و جعلوا يخطفون الاولاد و البنات و يفتكون بالمارين و يسلبون و ينهبون حتى انقطعت الطرق و ضاق ذرع الناس و حل بهم الكرب من كل مكان و لم يجدوا مغيثا و لم تكن المصائب قاصرة على ما حصل من العسكر و العرب بل كثير من الامراء كان لا فكرة له الا فيما يجلب به الضرر للناس و جمع أموالهم كما فعل احمد باشا الذي كان يلقب برامي النحاس فانه جلب نحاسا كثيرا و أراد عمله نقودا فانشأ بحوش بردق الوجاقات و وضع المسابك و جمع الصناع فلم يتحصل على ما كان يؤمل منه من الفائدة فرماه على التجار و سائر ارباب الحرف و الطوائف فلحق الناس من ذلك ما لا مزيد عليه من الضنك و الشدة ثم قامت عليه العساكر و عزلوه و كان اكثر الحكام يقرر الرشوة على الناس ثم يستعملها من بعده حتى تصبر كأنها حقوق