رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٢٩ - فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه- سنة ١٨ ه
كاهل الدهر فعجز عن هدمها. ثم رمى بنظره الى جنوب الاهرام فرأى بقايا منف العظيمة ترهب القلوب بما يتجلى فيها من العظمة و الفخامة و من جملتها اهرامها المعروفة الآن باهرام سقاره
فامر عمرو ان تنصب الخيم فيما بين الحصن و المقطم لجهة الشمال قرب مصر القديمة اليوم و لم يكن هناك الا بعض المزارع و الغياض و جعل يشرح صدره و يتأمل بما يهندده من الاخطار في مقاومة هذا الحصن. ثم نظر الى وادي النيل فاذا هو يانع خصب يشتهيه النظر يخترقه النيل المبارك. على غربيه آثار منف و الاهرام و على شرقيه ذلك الحصن و فيه قد حشدت جنود الروم متأهبين للدفاع و لم يكن قد راى شيئا من ذلك فيما مرّ به من البلدان فعظم عليه الامر الا انه عاد الى عزمه عندما تصور ما يلحق به من العار اذا عاد خائبا و ما يقع في يده من الخيرات اذا فاز بالنصر بعد الجهاد الحسن و اذا لم يفز في جهاده هنا و استشهد ففي الآخرة ما هو افضل مآبا
و كان في الحصن المقوقس و قد تقدم انه حاكم من قبل دولة الروم على مصر العليا و السفلى و معظم سكانهما من القبط. و كانت عاصمة حكومته منف على الضفة الغربية اما هذا الحصن فقد اتخذه مركزا حربيا ليمنع العرب من المرور الى عاصمته. و كان المقوقس من حزب الوطنيين و يقال انه كان بينه و بين الرسول مكاتبة و على كل فانه لم يكن له ان يفعل ما يشاء. فلما علم بقدوم جيوش المسلمين جهز جندا تحت قيادة احد كبراء جيشه المدعو الاعيرج و جاءوا بما لديهم من العدة و السلاح و تحصنوا في ذلك الحصن
اما عمرو فاخذ في المهاجمة مدة فأبطأ عليه الفتح فكتب الى الخليفة يستمده فامده باربعة آلاف رجل عليهم اربعة من كبار القواد و هم الزبير بن العوام و المقداد ابن الاسود و عبادة بن الصامت و مسلمة بن مخلد و قيل ان الرابع خارجة بن حذاقة دون مسلمة و ورد معهم خطاب امير المؤمنين و نصه «اني قد انفذت اليك اربعة آلاف على كل الف منهم رجل مقام الف»
فانفذ عمرو احد قواده و لعله حذاقة بخمسمائة فارس الى الجهة الثانية من الحصن من وراء الجبل فساروا ليلا و كان الروم قد خندقوا خندقا و جعلوا له ابوابا و بذروا في اقنيتها حسك الحديد فالتقى القوم حين اصبحوا فانهزم المصريون حتى دخلوا الحصن فصارت العرب محيطة بالحصن من كل جهات الا النيل و كان حول ذلك الحصن الخندق فلم يستطيع العرب الهجوم عليه و استمر رمى السهام صباحا و مساء ثم تشاور عمرو