رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١٩٦ - «اواخر ايامه»
يتحادثان. ثم انصرف شاكرا وزار عدوّه القديم خسرو باشا و تصافيا. و في ١٧ أغسطس من تلك السنة برح الاستانة قاصدا قواله مسقط رأسه فاقام فيها عدة ابنية لتعليم الفقراء و اعانة الضعفاء و المساكين ثم برحها الى الاسكندرية فقوبل بالانوار و سار منها الى القاهرة فتقاطر اليه المهنئون من الاصدقاء افواجا فكان يستقبلهم و على صدره الطغراء الشاهانية تلألأ كالشمس
و في منتصف عام ١٨٤٨ توعك مزاج محمد علي باشا و ازدادت فيه ظواهر الخرف فلم يعد ثم بد من تولية ابراهيم باشا فتوجه هذا الى الاستانة في اوغسطس من تلك السنة لاجل تثبيته على ولاية مصر خلفا لابيه فثبته السلطان بنفسه فعاد لمعاطاة الاحكام. ثم راجعه العياء واشتد عليه بغتة ففارق هذا العالم في ١٠ نوفمبر عام ١٨٤٨ م و بعد وفاته باحدى عشر ساعة دفن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الامام الشافعي بالقاهرة و كان عباس باشا غائبا في مكة فاستقدم حالا لاستلام زمام الاحكام فوصل القاهرة في ٢٤ دسمبر بعد ان قضى فروض الحج و لم يكن ثم اعتراض على توليته فجاء الفرمان الشاهاني من الاستانة مؤذنا بذلك فتولى الامور
كل ذلك و محمد علي باشا في الاسكندرية و قد أخذ منه المرض مأخذا عظيما و ما زال يهزل جسدا و عقلا الى ٢ اغسطس عام ١٨٤٩ م فتوفى و لم يستغرب الناس وفاته لانه مكث في حالة النزاع مدة طويلة. و في ٣ منه تقاطر الناس من الاعيان و القناصل الى سراي رأس التين في الاسكندرية لحضور مشهد ذلك الرجل العظيم. فاذا هو في قاعة الاستقبال في تابوت تغطيه شيلان الكشمير و على صدره سيفه و القرآن الكريم و على رأسه طربوشه الجهادي احمر تونسي و حوله العلماء في الملابس الرسمية يتلون القرآن بأنغام التجويد. و كان سعيد باشا اكبر من وجد في الاسكندرية من عائلة الفقيد فكانت توجه نحوه خطابات التعزية. و نقلت جثت الفقيد و دفنت في جامعه في القلعة و لا تزال هناك الى الآن
و يقال انه شرع بتعلم القراءة و الكتابة و هو في الخامسة و الاربعين من عمره.
و هذا مما يزيده شرفا و فخرا و يبرهن على ما فطر عليه من قوة الادراك و الحذاقة و المقدرة على المهام السياسية. و كان صارم المعاملة مع لين ورقة و حسن اسلوب. و كان متمسكا بالاسلام مع احترام التعاليم الاخرى و لا سيما التعاليم المسيحية فكان يقرب اصحابها منه و يعهد اليهم اهم اعماله
و يقال انه كان بالاجمال أبا حنونا لرعيته و صديقا مخلصا و نصيرا مسعفا لذوي