رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١٨٢ - «حال القاهرة فى مدة محمد علي باشا»
واليا على مصر و كان الغلاء قد بلغ منتهاه حتى وصل ثمن الاردب من القمح خمسة عشر ريال فرنساوي و الاضطراب مستمر و العسكر قائم و الامراء القبالى يعبثون في البلاد و احتاطوا بالقاهرة و خربوا ضواحيها كبولاق و الشيخ القمر و العدوى و الويلية فخرج اليهم محمد علي و هم بجهة طرا فكيسهم و هم غافلون و أوسع فيهم القتل فانهزموا و تشتتوا في الجهات و حصل بينهم و بين العساكر المتفرقة وقعات بجهة شبرا و أبي زعبل و الخانقاه أعقبت خراب تلك الجهات و لم تزل العسكر مع ذلك تقوم لطلب الجوامك و يحصل منهم ما لا خير فيه و الوالي كل مرة يضرب على الاهالي مبالغ يحصلها بانواع الظلم. و بينما محمد علي متجهز للخروج بعسكره اثر امراء القيالى اذ حضرت فرقة من عساكر الدلالة من جهة الشام فأراد محمد علي أن يكونوا معه فامتنع الوالي من ذلك و حصل بينهما كلام فأمره الوالي بالخروج من البلد فامتنع و هاجت الارنؤد و خاف كل فريق من الآخر و بينماهم على ذلك اذ ورد فرمان بتولية محمد علي على جدة فأظهر الامتثال و أخذ في الاستعداد فاضطرب العسكر و الاهالي لعدم رضاهم بمفارقة البلد و في اثناء ذلك طلب منه العسكر مرتباتهم فأحالهم على الوالي و لم يكن بيده شيء فاغلظوا له في القول و لسوء تدبيره قال لهم عليكم بنهب القليوبية فتفرقوا في بلادها و نهبوها و سبوا النساء و باعوا الاولاد فأوغرت صدور الاهالي و حصل في قلوبهم بغض الوالي و الميل الى محمد علي لما يرون منه من الحزم و المساعدة فكان عاقبة ذلك ان كتبوا للدولة بانهم رضوه واليا فأجابتهم الدولة الى ذلك و صدر له الامر بولاية مصر في شهر صفر سنة ١٢٢٠ ه و انقرضت به دولة الغز و حصل منه ما سيتلى عليك الى أن انقضى تحبهم و اللّه يؤتي ملكه من يشاء
«حال القاهرة فى مدة محمد علي باشا»
لما صدر الامر له بولاية مصر في صفر سنة ١٢٢٠ ه طبقا لمرغوب أعيلنها و سلسلة الفتن محكمة حلقاتها و عقد الحوادث صعب حلها و الاضطراب عام في جميع الانحاء و العقول غالب عليها حب الاهواء و العرب تعربد في النواحي و المناسر تقطع الطرق و تنهب الضواحي و العسكر تجلب على الاهالى كل داهية و الامراء المصرية تعبث في البلاد و اذا ارسل لقتالهم عسكرا زادوا عنهم اضعافا في الفساد مع ما بين فرقهم من العداوة و العناد و الارنؤد تخالف الانكشارية و تقاتلها و الدلاة تعادي كل فرقة و تصاولها و الكل معاد للاهالي عاص للوالي اخذ الباشا بالجد و الحزم و تصدى لحل تلك المشكلات المعضلة و الفتن المتطاولة فشرع في استمالة قلوب المشايخ أصحاب الكلمة كالسيد عمر مكرم و الشيخ الشرقاوي