رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٣٩٤ - «في سكانها و اصولهم و قبائلهم و موطنهم»
و هم ينتسبون الى جهينة و ينقسمون الى سبع عمائر كبيرة و قد كانوا في زمن الفونج في حرب دائمة مع الحمدة فلما جاءت الحكومة المصرية انقطعت تلك الحرب و زادت القبيلة عزة و مناعة حتى بلغ عدد رجالها قبل الثورة نحو ٥٠ الفا و لكن جارت المهدية عليها فسحقتها سحقا. و هم ينزلون في الصيف بين بحر ستيت و باسلام من فرع الاتبرا و في الخريف ينزحون الى البطانه. و من اماكنهم الشهيرة التومات على الاتبرا و الجيرة على بحر ستيت و دوكه في البطانة
«و الحمران» و هم قليلو العدد لكنهم من افرس قبائل العرب و أعزهم شأنا و اعظمهم جرأة و اقداما. و نساؤهم من اجمل نساء السودان و اشدهنّ تحصّنا و عفافا «خبرتا جوج محلّق» و منهنّ تاجوج بنت الشيخ أوكد شيخ الحمران التي ظهرت في أواسط القرن الماضي و كانت ابرع نساء السودان قاطبة في الحسن و الجمال حتى كان الناس يفدون من كل صوب للتفرج على جمالها. و قد تزوجها اولا ابن عم يسمى محلقا و كان يحبها محبة شديدة تقرب من العبادة فطلب اليها ذات يوم ان تتمشى امامه متجرّدة فأبت فألّح عليها فتكدّرت من الحاحه و قالت اذا اجبت الى طلبك فماذا تفعل قال كل ما تريدين قالت اقسم لي انك تبرّ بقولك فأقسم لها فتجرّدت و مشت امامه ذهابا و ايابا الى ان قال كفى ثم قال فاطلبي الآن ما تريدين قالت (ان تطلقني في الحال) فطار صوابه من هذا الطلب و وقع على قدميها يقبلهما و يسألها العفو و لما اصرت لم ير بدّا من البرّ بقسمه فطلقها و هام على وجهه ينشد في حبها الاشعار فحاكى فيها مجنون ليلى و من قوله المشهورة فيها:
انا الجنب التعيس سوّيت بايدي* * * في كلمة مزاح فليت غميصي
فواطر ام قبيل ملح الرشيدي* * * تاجوج ما اتلقت يا خمله زيدي
الجنب المشوم. و سويت بايدي جنيت على نفسي. و الفواطر الثنايا. وام قبيل الجميلة. و الخمله الهم. و المعنى ظاهر
ثم ان تاجوج بعد ما طلقها محلق تزوّجها شاب من وجهاء قبيلتها و كان محلق افرس منه فأخذ يتأثره و كان حيث يجده يسلبه ماله ثم يرجعه اليه اكراما لتاجوج. و بقى يتغنى بذكرها و يتأسف على فقدها الى ان مات. قالوا و لما اشتدّ عليه الكرب اكثر من ذكر تاجوج و ألحّ على اهله ان يمكنوه من رؤيتها قبل موته فذهبوا الى تاجوج و اخبروها بما صار اليه محلق فرقّت له و جاءت معهم و كان المكان غاصا بالنساء اللواتي كن يندّدون بها ليصرفن قلب محلق عنها فلما اطلّت لم يسعهنّ الا الوقوف احتراما لها و اعجابا لها