رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١٨٣ - «حال القاهرة فى مدة محمد علي باشا»
و الدواخلي حتى صاروا معه فجعل يحل بهم المشاكل و يستعين برأيهم على مهمات التوازل و لم يزل يعاني الامور بعقل ثابت و سياسة تامة حتى تفرد بالامر كما سيتلى عليك. و لما صدر الامر ابلغوه لاحمد باشا الوالي فلم يلتفت اليه بل تحصن بالقلعة فقام اليه محمد علي باشا و حاصره بها و حفظ ابوابها بعساكر الارنؤد فلم يكن غير قليل حتى جاهروه بالعصيان لعدم صرف جوامكهم و تفرقوا عنه و انتشروا في القاهرة ينهبون و يسلبون فاتحد محمد علي مع المشايخ و رتب من الاهالي بدلهم بالسلاح و المساوق و النبابيت و في اثناء ذلك حضر قابوجي من الدولة و معه أوامر لاحمد باشا بعزله فلم يمتثل مرسومها و استمر على عناده و بعد قليل حضر قبطان باشا باوامر تعضد ما سبق فلم يصغ لها ظنا منه ان ذلك كله شباك حيل تنصب له و ارسل الى الامراء القبالي و طلبهم لمساعدته فوقع بعض المكاتبات في يد محمد علي باشا فاخذ حذره و بعد قليل حضروا الى الجيزة وعدا بعضهم الى البر الشرفي و احتاطوا بالبلد و دخلها كثير منهم من باب الفتوح و الحسنية و توجه بعض كبرائهم الى السيد عمر مكرم و الشيخ الشرقاوي و غيرهما يدعونهم الى نجدتهم و القيام بنصرتهم فلم يقبلوا منهم فخرجوا خائبين و كان محمد علي باشا مذ بلغه خبرهم ارسل جندا لضبطهم فادركوا بعضهم قد خرج من البلد فاوقعوا بمن أدركه منهم بالسكرية و الدرب الاحمر و هرب بعضهم الى جامع برقوق فامتنع به و بعضهم تسلق فوق السور من خلف الجامع فنجا و من امتنع بالمسجد دل عليه و كانوا نحوا من خمسين رجلا فلما احضروهم الى داره بالازبكية و كان يريد الركوب فرح بالظفر و أمر لمن احضروهم بالعطايا و احضر الجزارين و أمر بقتلهم و شاع ذكر هذه الواقعة في سائر الاطراف فهابه الاعداء و كان يظن ان هذه الحادثة تفسد عليه ما دبره فكانت على خلاف ما ظن فخرج احمد باشا و خرج عساكر الدلاة العصاة على وجوههم و انتشروا بالجهات البحرية ينهبون و يسلبون فوجه خلفهم حسن باشا الارنؤدي و محمد بيك المبدول و عمر بيك ألاشقر بعساكرهم فاجلوهم من البلاد و احتاطوا على جميع ما سلبوه و ذهب اولئك الى الشام مدحورين و اما الاهالي فانهم في هذه المدة كانوا متقلبين على جمرات البلايا غارقين في بحا الشدائد فارنؤد تنهب البيوت و تخطف ما تريد من البضائع و يبيعونه باغلى الاتمان حتى انعدم اللحم و السمن بعد شدة غلائهما و تتعرض لنساء الامراء الغنيات بقصد تزوجهن و العسكر تقوم بسبب الجوامك فلا يجد بد من توزيعها على الطوائف و التجار ثم توجه فكره الى الالتزامات فتكلم مع العلماء في ذلك فاتفق الرأي على أخذ ثلث الفائض منها و كل ما يتحصل يصرف في شؤون التجاريد و طلبات العسكر و ليس بالكافي مع ما ضرب على النواحي