رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ١٦٦ - «حال القاهرة في ايام الدولة العلية العثمانية»
الى آخر دولة المماليك و لم تعقها الفتن و الحوادث المهمة عن الاتساع و التقدم بل كان ما يتخرب بالفتن و نحوها يتعوّض فكانت العمائر في تلك الازمان من ضواحي المطرية و منية الشيرج الى دبر الطين و من شاطىء النيل الى الصحراء كما سبق بيانه فلما زال عنها الاستقلال و توالى عليها ممن كان بها من الاضطراب و الفتن و الاختلال اورثها ذلك نقصا في عزها و وهنا في ثروتها و سرى هذا الحال الى باقي بلاد القطر بسوء تصرف العمال و سير كل منهم على حسب ما سوّلت له نفسه فكان كل ذي صولة يجد في تحصيل أطماعه من غير التفات الى ما به عمارة البلاد و سعادة الاهالي و من كثرة الحروب و تعاقب الاهوال لم يتمكن الفلاحون من زراعة الارض و لا من اعمال الطرق التي بها ريها من احكام الترع و القناطر و الجسور فكانت الارض تارة تبور و تارة تظمأ و فسد كثير منها فصار غير صالح للزرع و بسبب ذلك كثر الغلاء و القحط و الوباء و الامراض و انتقل كثير من سكان العاصمة و غيرها و تعاقب ذلك بحيث لا تمضي أربع سنين أو خمسة الا بشيء من تلك الاهوال فتخرب جزء عظيم من العاصمة و من مدن الارياف و ليس الغرض الآن تفاصيل تلك الحوادث و من اراد الوقوف على ذلك فعليه بما اسهب به العلامة الجبرتي و غيره في هذا الشأن و انما القصد ذكر بعض مهمات الحوادث ليعلم القارئ كيف كانت سياسة العمال للرعايا و اسباب العمارة و الدمار
و اول حادثة تستحق الذكر هي حادثة دخول عساكر الدولة العلية العثمانية في مصر بعد موت السلطان الغوري و ذلك انه لما تولى المملكة السلطان طومان باي و الفتن قائمة بين مصر و الدولة العلية لم يقم غير قليل حتى حضرت العساكر العثمانية سنة ٩٢٣ ه و اشتعلت نيران الحرب بينهم و بين عساكر طومان باي فكانت في جهة العباسية ثم صارت في بولاق ثم جهة القصر العالي و باب اللوق وجهة السيدة زينب رضي اللّه عنها و في مصر العتيقة و الصليبة وقره ميدان و الرميلة و حدرة البقر فتخرب لذلك كثير من المساكن و القصور الفاخرة و جامع شيخون و جامع طولون و صارت القتلى مطروحة في الطرقات و الشوارع و الحارات من العباسية الى بولاق الى مصر العتيقة الى الصليبة الى القلعة و لم تخد نار الحرب الا بعد هروب طومان باي و كانت مدتها اربعة ايام قتل فيها نحو عشرة آلاف نفس و لما تم الامر للعثمانيين و استولوا على مصر اخذوا يفتشون على امراء الجراكسة فكل من وجدوه منهم قتلوه و نهبوا منزله حتى فنيت عدة من امراء البلد؟؟؟ تحربت منازلهم و مكث السلطان سليم بالديار المصرية ثمانية اشهر يرتب امورها و بمهد قواعدها ثم رجل عنها الى القسطنطنية بغنائم كثيرة و عدد عديد من