البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من مكة إلى أرض الحبشة، فرارا بدينهم من الفتنة
فقالوا أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي- و أخذ شيئا من الأرض- قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أ يؤذيكم أحدا؟ قالوا نعم! فنادى مناد من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم ثم قال أ يكفيكم؟ قلنا لا، فأضعفها. قال فلما هاجر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المدينة و ظهر بها قلنا له إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد ظهر و هاجر إلى المدينة، و قتل الذين كنا حدثناك عنهم، و قد أردنا الرحيل اليه، فردنا. قال نعم! فحملنا و زودنا. ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، و هذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنه رسول اللَّه، و قل له يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اعتنقني، ثم قال: «ما أدرى أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر؟» و وافق ذلك فتح خيبر، ثم جلس فقال رسول النجاشي: هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا؟ فقال نعم فعل بنا كذا و كذا و حملنا و زودنا، و شهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه. و قال لي قل له يستغفر لي. فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات «اللَّهمّ اغفر للنجاشي» فقال المسلمون آمين. ثم قال جعفر فقلت للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). ثم قال ابن عساكر حسن غريب.
و أما
رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام عن أم سلمة رضى اللَّه عنها. أنها قالت: لما ضاقت مكة و أوذى أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و فتنوا و رأوا ما يصيبهم من البلاء و الفتنة في دينهم، و أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يستطيع دفع ذلك عنهم، و كان رسول اللَّه في منعة من قومه و من عمه لا يصل اليه شيء مما يكره و مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل اللَّه لكم فرجا و مخرجا مما أنتم فيه»
فخرجنا اليها إرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا، و لم نخش فيها ظلما. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا و أمنا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده و ليردنا عليهم فبعثوا عمرو بن العاص و عبد اللَّه بن أبى ربيعة، فجمعوا له هدايا و لبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة، و قالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا اليه هداياه فان استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقد ما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا اليه هديته، فكلموه فقالوا له: إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم و لم يدخلوا في دينكم. فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل. ثم قدّموا إلى النجاشي هداياه، و كان من أحب ما يهدون اليه من مكة الأدم- و ذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا اليه فرسا و جبة ديباج- فلما أدخلوا عليه هداياه. قالوا له: أيها