البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - فصل
فرغت مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج و لم أر شيئا قط أحسن منه و هو الّذي يمد اليه ميتكم عينيه إذا حضر، فاصعدنى فيه صاحبي حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه بريد من الملائكة يقال له إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك، قال يقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا حدث بهذا الحديث (و ما يعلم جنود ربك الا هو).
ثم ذكر بقية الحديث و هو مطول جدا و قد سقناه باسناده و لفظه بكماله في التفسير و تكلمنا عليه فإنه من غرائب الأحاديث و في اسناده ضعف، و كذا في سياق حديث أم هانئ فان الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبى نمر عن أنس أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر و في سياقه غرابة أيضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك و منها قوله: و ذلك قبل أن يوحى اليه، و الجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل ان يوحى اليه فكانت تلك الليلة و لم يكن فيها شيء ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى و لم يقل في ذلك، و ذلك قبل أن يوحى اليه بل جاءه بعد ما أوحى اليه فكان الاسراء قطعا بعد الإيحاء إما بقليل كما زعمه طائفة، أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون و هو الأظهر، و غسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا- أو ثالثا- على قول أنه مطلوب إلى الملأ الأعلى و الحضرة الإلهية ثم ركب البراق رفعة له و تعظيما و تكريما فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد. و أنكر حذيفة رضى اللَّه عنه دخوله إلى بيت المقدس و ربطه الدابة و صلاته فيه و هذا غريب، و النص المثبت مقدم على النافي. ثم اختلفوا في اجتماعه بالأنبياء و صلاته بهم أ كان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات و هو أنسب كما سنذكره على قولين فاللَّه أعلم.
و قيل إن صلاته بالأنبياء كانت في السماء، و هكذا تخيره من الآنية اللبن و الخمر و الماء هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح و المقصود أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج و هو السلم فصعد فيه إلى السماء و لم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة، فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة و كلما جاء سماء تلقته منها مقربوها و من فيها من أكابر الملائكة و الأنبياء و ذكر أعيان من رآه من المرسلين كآدم في سماء الدنيا، و يحيى و عيسى في الثانية [١] و إدريس في الرابعة، و موسى في السادسة- على الصحيح- و إبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة و طوافا ثم لا
[١] كذا في الأصلين و لم يذكر الثالثة و لا الخامسة. و في ابن هشام: أنه رأى في الثالثة يوسف الصديق و في الخامسة هارون.