البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - باب مجادلة المشركين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إقامة الحجة الدامغة عليهم و اعترافهم في أنفسهم بالحق و إن أظهروا المخالفة عنادا و حسدا و بغيا و جحودا
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأبى جهل: «يا أبا الحكم، هلم إلى اللَّه و الى رسوله، أدعوك إلى اللَّه». فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت؟ فو اللَّه لو أنى أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و أقبل عليّ فقال: و اللَّه انى لأعلم أن ما يقول حق، و لكن [يمنعني] شيء. إن بنى قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم، ثم قالوا فينا الندوة، فقلنا نعم. ثم قالوا فينا اللواء، فقلنا نعم. ثم أطعموا و أطعمنا. حتى إذا تحاكّت الركب قالوا منا نبي، و اللَّه لا أفعل.
و قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد ابن خالد حدثنا احمد بن خلف حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق. قال: مر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على أبى جهل و أبى سفيان، و هما جالسان. فقال أبو جهل: هذا نبيكم يا بنى عبد شمس. قال أبو سفيان: و تعجب أن يكون منا نبي فالنبي يكون فيمن أقل منا و أذل. فقال أبو جهل: أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسمع. فأتاهما فقال: «أما أنت يا أبا سفيان، فما للَّه و رسوله غضبت و لكنك حميت للأصل. و أما أنت يا أبا الحكم، فو اللَّه لتضحكن قليلا و لتبكين كثيرا» فقال:
بئسما تعدني يا ابن أخى من نبوتك. هذا مرسل من هذا الوجه و فيه غرابة.
و قول أبى جهل- لعنه اللَّه- كما قال اللَّه تعالى مخبرا عنه و عن أضرابه (وَ إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟ إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها. وَ سَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا).
و قال الامام أحمد: حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال:
نزلت هذه الآية و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متوار بمكة (وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها) قال: كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن و سبوا من أنزله و من جاء به، قال فقال اللَّه تعالى لنبيه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (وَ لا تُخافِتْ بِها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) و هكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبى بشر جعفر بن أبى حية به.
و قال محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا جهر بالقرآن- و هو يصلى- تفرقوا عنه و أبوا أن يستمعوا منه، و كان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول اللَّه بعض ما يتلو، و هو يصلى، استرق السمع، دونهم فرقا منهم، فان رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، فان خفض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا، فانزل اللَّه تعالى (وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) فيتفرقوا عنك (وَ لا تُخافِتْ بِها) فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع، فينتفع به (وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا)