البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
من يكون مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لئلا يهوى اليه أحد من المشركين، فو اللَّه ما دنا منا أحد الا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يهوى اليه أحد الا أهوى اليه فهذا أشجع الناس. قال و لقد رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخذته قريش فهذا يحاده، و هذا يتلتله و يقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فو اللَّه ما دنا منا أحد الا أبو بكر يضرب و يجاهد هذا و يتلتل هذا و هو يقول: ويلكم أ تقتلون رجلا أن يقول ربى اللَّه ثم رفع عليّ بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال:
أنشدكم اللَّه أ مؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال على: فو اللَّه لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه و هذا رجل أعلن إيمانه.
ثم قال البزار لا نعلمه يروى الا من هذا الوجه. فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار رضى اللَّه عنه و أرضاه. و
رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكثر الابتهال و التضرع و الدعاء و يقول فيما يدو به «اللَّهمّ إنك ان تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» و جعل يهتف بربه عز و جل و يقول «اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللَّهمّ نصرك» و يرفع يديه الى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه. و جعل أبو بكر رضى اللَّه عنه يلتزمه من ورائه و يسوى عليه رداءه و يقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول اللَّه بعض مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.
[هكذا حكى السهيليّ عن قاسم بن ثابت أن الصديق انما قال بعض مناشدتك ربك من باب الإشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء و التضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال: بعض هذا يا رسول اللَّه أي لم تتعب نفسك هذا التعب و اللَّه قد وعدك بالنصر، و كان رضى اللَّه عنه رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و حكى السهيليّ عن شيخه أبى بكر بن العربيّ بانه قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مقام الخوف و الصديق في مقام الرجاء و كان مقام الخوف في هذا الوقت- يعنى أكمل- قال لأن للَّه أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها، فخوفه ذلك عبادة.
قلت و أما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال و لا لازمه و لا ما يترتب عليه و اللَّه أعلم] [١].
هذا و قد تواجه الفئتان و تقابل الفريقان و حضر الخصمان بين يدي الرحمن و استغاث بربه سيد الأنبياء و ضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض و السماء سامع الدعاء و كاشف البلاء. فكان أول من قتل من المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي. قال ابن إسحاق: و كان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال: أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتن دونه، فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فاطن قدمه بنصف ساقه و هو دون الحوض فوقع
[١] ما بين المربعين من المصرية فقط.