البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - فصل في بناء مسجده الشريف في مدة مقامه (عليه السلام) بدار أبى أيوب رضى اللَّه عنه
بكير عن ابن إسحاق حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان و الأخنس بن شريق عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة أن قام فيهم فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال «أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن و اللَّه ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه- ليس له ترجمان و لا حاجب يحجبه دونه- أ لم يأتك رسولي فبلغك، و آتيتك مالا و أفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا و شمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار و لو بشق تمرة فليفعل، و من لم يجد فبكلمة طيبة فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف و السلام على رسول اللَّه [١] و رحمة اللَّه و بركاته» ثم خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرة أخرى فقال: «أن الحمد للَّه أحمده و أستعينه، نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له. و أشهد أن لا إله إلا اللَّه [وحده لا شريك له]، إن أحسن الحديث كتاب اللَّه، قد أفلح من زينه اللَّه في قلبه و أدخله في الإسلام بعد الكفر و اختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث و أبلغه، أحبوا من أحب اللَّه، أحبوا اللَّه من كل قلوبكم [و لا تملوا كلام اللَّه و ذكره و لا تقسى عنه قلوبكم] فإنه من [٢] يختار اللَّه و يصطفى فقد سماه خيرته من الأعمال و خيرته من العباد، و الصالح من الحديث و من كل ما أوتى الناس من الحلال و الحرام فاعبدوا اللَّه و لا تشركوا به شيئا و اتقوه حق تقاته و اصدقوا اللَّه صالح ما تقولون بأفواهكم و تحابوا بروح اللَّه بينكم إن اللَّه يغضب أن ينكث عهده و السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته»
و هذه الطريق أيضا مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها و إن اختلفت الألفاظ.
فصل في بناء مسجده الشريف في مدة مقامه (عليه السلام) بدار أبى أيوب رضى اللَّه عنه
و قد اختلف في مدة مقامه بها، فقال الواقدي: سبعة أشهر، و قال غيره أقل من شهر و اللَّه أعلم.
قال البخاري حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الصمد قال سمعت أبى يحدث فقال حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبيّ حدثنا أنس بن مالك. قال: لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بنى النجار فجاءوا
[١] و في ابن هشام. و السلام عليكم و على رسول اللَّه.
[٢] كذا في المصرية، و في الحلبية فإنه من كل مختار اللَّه. و في ابن هشام: فإنه من كل ما يخلق اللَّه يختار، و ما بين المربعين من ابن هشام.