البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - فصل في سبب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة
أرشده اللَّه و ألهمه أن يدعو بهذا الدعاء [و] أن يجعل له مما هو فيه فرجا قريبا و مخرجا عاجلا، فاذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبويّة حيث الأنصار و الأحباب، فصارت له دارا و قرارا، و أهلها له أنصارا.
قال احمد بن حنبل و عثمان بن أبى شيبة عن جرير عن قابوس بن أبى ظبيان [١] عن أبيه عن ابن عباس: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة، فأمر بالهجرة و أنزل عليه وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً و قال قتادة أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ المدينة وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ الهجرة من مكة وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً كتاب اللَّه و فرائضه و حدوده.
قال ابن إسحاق: و أقام رسول اللَّه بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة و لم يتخلف معه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب و أبو بكر بن أبى قحافة رضى اللَّه عنهما و كان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الهجرة فيقول له «لا تعجل لعل اللَّه يجعل لك صاحبا» فيطمع أبو بكر أن يكونه.
فلما رأت قريش أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد صار له شيعة و أصحاب من غيرهم بغير بلدهم و رأوا خروج أصحابه من المهاجرين اليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا و أصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اليهم و عرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة و هي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين خافوه.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد اللَّه بن أبى نجيح عن مجاهد بن جبر عن عبد اللَّه بن عباس. و غيره ممن لا أتهم عن عبد اللَّه بن عباس. قال: لما اجتمعوا لذلك و اتعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، غدوا في اليوم الّذي اتعدوا له و كان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس لعنه اللَّه في صورة شيخ جليل عليه بتلة [٢] فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ؟
قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون و عسى أن لا يعدمكم منه رأيا و نصحا. قالوا أجل فادخل، فدخل معهم و قد اجتمع فيها أشراف قريش عتبة و شيبة و أبو سفيان و طعيمة بن عدي و جبير بن مطعم بن عدي و الحارث بن عامر بن نوفل و النضر بن الحارث و أبو البختري بن هشام و زمعة بن الأسود و حكيم بن حزام و أبو جهل بن هشام و نبيه و منبه ابنا الحجاج
[١] كذا في المصرية و في الحلبية: جبير عن قابوس بن أبى طهمان.
[٢] كذا في سيرة ابن هشام، و في ح: عيبه (و لعلها عليه) تب له، و في المصرية: عليه ثب له و كل ذلك تصحيف. و في القاموس (البثلة الشهرة) و في السيرة الحلبية: طيلسان خز.